تقاريرصحافة

مبيدات الـموت

سموم المزارعين تفتك بـ”ذهب” النحالين في تهامة

اليمن الزراعية- أيوب أحمد هادي

في سهل تهامة، ينسج النحل حكاية “الذهب السائل” الذي طالما كان فخرًا للاقتصاد الوطني ورمزًا للهوية، لكن اليوم، يتبدل هذا المشهد الجمالي بصورة مأساوية؛ إذ استيقظ النحالون في مديرية المراوعة، وباجل، واللحية، وعبس على كابوس مروع، فمئات الخلايا التي كانت تضج بالحياة تحولت إلى “مقابر جماعية” صامتة، لا لسبب إلا لأن كيمياء الموت طالتها قبل أن تطالها يد الرعاية.
الفاجعة بالأرقام.. نزيف الملايين
لا يمكن قراءة هذه الكارثة بمعزل عن لغة الأرقام التي تعكس حجم الانهيار المعيشي للنحالين المتضررين.
ويصف رئيس جمعية النحالين في تهامة يوسف القديمي، ما حدث في المراوعة وباجل وعبس واللحية بأنه “جريمة بحق الاقتصاد الوطني”.
ويستذكر القديمي جذور هذه المعاناة قائلًا: “في الأعوام السابقة تعرضت الكثير من المناحل لنفوق جماعي عن طريق رش المبيدات التي قامت بها المراكز الصحية في بعض المديريات بدعم من المنظمات، وتم الرفع بشكوى إلى وزارة الإدارة المحلية ووزارة الزراعة والثروة السمكية والسلطة المحلية بالمحافظة، وتم وقف هذا الإجراء وعمل آلية تنسيق بين جمعية النحالين والمراكز الصحية والجمعيات التعاونية في المديريات، والحمد لله تم تلاشي تلك المخاطر ولكن بعد نفوق مئات الخلايا”.
ويضيف القديمي بمرارة عن الواقع الجديد: “اليوم نتفاجأ بنفوق مئات خلايا أخرى بسبب قيام بعض المزارعين برش محاصيلهم بمبيدات كيميائية قاتلة للحشرات، وانتهى ما يقارب 2000 خلية تمامًا تحديدًا في مديرية المراوعة وباجل واللحية وعبس؛ وهذا نتيجة غياب دور الجمعيات في القيام بواجبها وحماية النحالين، وأيضًا السلطات المحلية في المديريات”.
“الغدر الكيميائي”.. قائمة الضحايا
ووفقًا لرئيس جمعية الاكتفاء بالمراوعة، محمد عطية حدال، فقد بلغت الخسائر الموثقة لثمانية نحالين فقط في مديرية المراوعة خلال المواسم الماضية رقمًا مرعبًا، وهو 158,850,000 ريال يمني.
وبالنظر إلى تفاصيل هذا النزيف المادي، نجد أن النحال صدام عبسين قد تلقى الصدمة الأكبر بفقدان 1200 خلية “بلدي” قُدرت قيمتها بـ30 مليون ريال، ولم يكن النحال محمد عثمان بأوفر حظًا، حيث فقد 600 خلية بقيمة 18 مليون ريال، تلاه محمد عبده البيضاء بخسارة 580 خلية بلغت قيمتها 17 مليونًا و400 ألف ريال.
وعلاوة على ذلك، امتدت آثار هذا التسمم لتمس القوت اليومي لنحالين آخرين؛ فقد خسر النحال عبدالكريم العامري 120 خلية حديثة و230 خلية بلدي بإجمالي خسارة بلغت 17 مليونًا و700 ألف ريال، بينما خسر إبراهيم بلامي 450 خلية بقيمة 14 مليونًا و250 ألف ريال، وفقد أيوب مقبول شرقي 400 خلية بقيمة 12 مليون ريال، كما شملت قائمة المتضررين النحال عادل المحويتي بخسارة 250 خلية بقيمة 7 ملايين و500 ألف ريال، وصولًا إلى النحال حسن بلاع الأهدل الذي فقد 200 خلية بقيمة 6 ملايين ريال.
شهادات من الميدان.. صرخة “شقاء العمر”
ويصف النحال محمد عثمان تلك اللحظات القاسية بقوله : “رأيت نحلي يتساقط أمام عيني عند مداخل الخلايا وكلي قهر وحسرة. لقد ذهب شقاء عمري في ليلة وضحاها بسبب رش عشوائي لا يراعي ذمة ولا جوار”. وفي المقابل، يبرز صوت المزارعين الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة الآفات وسندان الحاجة، حيث يقول المزارع حسن سالم مهيوب: “لسنا أعداءً للنحل، لكن المحصول هو نافذتنا الوحيدة للرزق ونضطر للرش لإنقاذ ما يمكن إنقاذه”.
بيد أن هذا التبرير يصطدم بنموذج المزارع حسن حدال الذي يؤكد: “أنا ألتزم بالرش في وقت المغرب أو العصر، النحال والمزارع يكملان بعضهما، وقطع الرزق لا يرضي الله”.
الرؤية العلمية ونداء الاستغاثة
من منظور علمي، يصف المهندس صديق جبريل، الباحث في مجال الإرشاد الزراعي والبدائل الآمنة للمبيدات الكيميائية، ما يحدث بـ”الانتحار الزراعي”، مؤكدًا أن النحل يساهم في زيادة إنتاجية المحاصيل بنسبة 30%. ويضع الخبير حلولًا تتلخص في استخدام مبيدات آمنة، وحصر الرش في أوقات ما بعد الظهيرة، وتجنب فترة الإزهار الكامل بينما يرى رؤساء الجمعيات في باجل واللحية، عادل سام وعلي عبدالله العقيلي، أن القضية تهدد الغطاء النباتي والتوازن البيئي.
ومن جانبه، يطالب محمد عطية حدال بضرورة صياغة “ميثاق شرف” ملزم وقانوني يفرض على المزارع إبلاغ النحالين في نطاقه قبل الرش بـ48 ساعة على الأقل، معتبرًا أن الخسائر المرصودة ليست إلا “قمة جبل الجليد”، بينما هناك الكثير من النحالين لم يتم رصدهم.
ويوجه يوسف القديمي نداءً عاجلًا عبر “اليمن الزراعية” قائلًا: “ندعو السلطة المحلية في المحافظة، وهيئة تطوير تهامة، والاتحاد التعاوني الزراعي، ومدراء المديريات، والجمعيات الزراعية، بألا يغيب دور الرقابة والاهتمام، وهو بنقطة واحدة فقط؛ وهي تنظيم الرش في الوقت المحدد (الساعة 5 عصرًا) والإشراف على نوع المبيد المصرح وغير الفتاك”.
نحو استراتيجية وطنية لحماية “الذهب السائل”
و يتضح مما سبق أن مواجهة “مبيدات الموت” تتطلب تحركًا على ثلاثة مسارات متوازية:
أولا: المسار التشريعي والرقابي: من خلال تفعيل القوانين التي تمنع استيراد المبيدات المحرمة دوليًا والضارة، وتشديد الرقابة على محلات بيع السموم الزراعية.
ثانيا: المسار التوعوي: عبر حملات ميدانية مكثفة تقودها وزارة الزراعة وهيئة تطوير تهامة لتصحيح المفاهيم المغلوطة لدى المزارعين حول توقيت وأنواع الرش.
ثالثا: المسار التنسيقي: عبر بناء جسور الثقة بين النحال والمزارع، واعتبار النحل “خطًا أحمر” لا يجوز المساس به، كونه يمثل إرثًا حضاريًا وموردًا اقتصاديًا لا يمكن تعويضه.
إن “ذهب” تهامة يتعرض اليوم للذوبان تحت تأثير سموم كيميائية عشوائية. والحفاظ على النحل هو دفاع عن أمننا الغذائي واستقرار آلاف النحالين. يبقى السؤال معلقًا: متى سيتحول “التنديد” إلى “إجراء” ينصف هؤلاء النحالين ويحمي ما تبقى من “ذهب” تهامة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى