
كيف أعادت الجهود التنظيمية والعلمية والزراعة التعاقدية الحياة للذرة الشامية في تهامة
تحولت سهول تهامة ومساحاتها الخضراء اليوم إلى ورشة عمل كبرى تضج بالحياة، وترسم ملامح عصر جديد من الاكتفاء الذاتي.
ومع انطلاق موسم حصاد “الذهب الأصفر”، بدا المشهد وكأنه انتصار لنموذج اقتصادي متكامل؛ حيث التقت خبرة المهندس في مختبرات البذور بصلابة المزارع في الحقل، لتتوج هذه الجهود بـ”الزراعة التعاقدية” التي قطعت الطريق على العشوائية وجشع الوسطاء. ومن مديريات محافظة الحديدة، تتعدد اليوم قصص النجاح الملهمة، وواحدة من هذه القصص بطلها مزارع يمسك بسنابل “سيتي لاجوس” و”هند” بثقة، وعقود شراء تضمن وصول المحصول من قلب الأثلام إلى خطوط الإنتاج بالمصانع، في سلسلة قيمة أعادت الاعتبار للأرض والإنسان.
ويضعنا ضابط سلسلة الحبوب المهندس شمسان المنيري في صورة المشهد التنظيمي والأرقام المحققة، موضحاً
أن التركيز هذا الموسم انصب على أصناف عالية الجودة وملاءمة للبيئة المحلية، مشيرًا إلى أن المساحة المزروعة شهدت قفزة نوعية مقارنة بالأعوام السابقة.
وبنبرة تفاؤل، يقول: “المؤشرات الأولية للحصاد تبشر بمتوسط إنتاجية للمعاد تتجاوز التوقعات، حيث نقدر الكمية الإجمالية بآلاف الأطنان التي ستغذي السوق المحلية”.
وعن “الزراعة التعاقدية”، يؤكد المنيري أنها كانت “حجر الزاوية” في طمأنة المزارعين، حيث التزمت جهات ومصانع (مثل مصانع الأعلاف والشركات الغذائية) وبعض التجار بشراء المحصول مسبقًا بأسعار عادلة، مما سيحمي المزارع من تذبذب الأسعار المعتاد، وضمان وصول المحصول من الحقل إلى المستهلك عبر آلية تسويقية منظمة تتجاوز عشوائية الوسطاء.
البذور.. سر الجودة والإنتاجية
من جانبه، يقول مدير عام المؤسسة العامة لإكثار البذور المحسنة عبدالله الوادعي إن المؤسسة عملت وفق استراتيجية دقيقة لرفع كفاءة الإنتاج الزراعي، موضحًا أن بداية عمل المؤسسة كانت البحث عن الأصناف المحسنة من أصناف الذرة الشامية، حيث وجدنا 50 كجم من صنف “سيتي لاجوس”، وتم إجراء عملية الصيانة لهذا الصنف ومكاثرته بالتعاون مع البحوث، ثم بدأت المؤسسة بتوزيع كميات كبيرة من هذا الصنف بالإضافة إلى أصناف أخرى.
و شهد عام 1446هـ توزيع قرابة 21,200 كجم من صنف “سيتي لاجوس” و100 طن من صنف “هند” البلدي، وفي العام التالي 1447هـ، استمر الدعم بتوزيع 13,200 كجم من “سيتي لاجوس” وحوالي 3,000 كجم من هجن الذرة الشامية. ومؤخرًا، استلمت المؤسسة 3,150 كجم من البذور، تم صرف 2,800 كجم منها للمزارعين عبر الجمعيات الزراعية، مع توفير 8 وحدات زراعية للجمعيات النموذجية لدعم عمليات الحصاد، بتمويل من وحدة تمويل المبادرات والمشاريع الزراعية والسمكية كما يقول الوادعي.
ويوضح أنه تم توزيع الكمية على 22 جمعية في محافظة الحديدة وأجزاء من محافظتي حجة وريمة كقروض بيضاء.
ويشير الوادعي إلى أن خارطة الزراعة في الحديدة وأجزاء من حجة وريمة شهدت توسعًا ملحوظًا؛ ففي عام 1446هـ بلغت المساحة الإجمالية المزروعة 4,848 هكتارًا، بإنتاجية ضخمة وصلت إلى 14,544 طنًا تقريبًا، استحوذ صنف “هند” فيها على نصيب الأسد بمساحة 4,000 هكتار وإنتاج 1,200 طن.
أما في الموسم الحالي لعام 1447هـ، فقد توزعت المساحات لتشمل 400 هكتار لصنف “سيتي لاجوس” بإنتاج متوقع 1,200 طن، و80 هكتارًا لصنف “تهامة 1” بإنتاج 240 طنًا، و48 هكتارًا لصنف “تعز 2” بإنتاج 144 طنًا، بالإضافة إلى 300 هكتار من الأصناف الهجينة التي لا تزال قيد التقييم.
وفيما يخص إدخال حصادتين “كومباين” حديثتين في مديريتي الجراحي وباجل، يشير الوادعي إلى أن التجربة واجهت تحديات، وهو ما أرجعه لأسباب زراعية بحتة، مبينًا أن الحصادات الحديثة صممت للعمل باحترافية عندما تتراوح رطوبة الحبوب أقل من 20%، لكن ما حدث في باجل والجراحي هو حصاد محاصيل بلغت رطوبتها أكثر من 30%، مما جعل الحبوب طرية وعرضة للتكسر داخل الآلة، وهذا ناتج عن استعجال المزارعين على عملية الحصاد لزراعة محاصيل أخرى.
وشدد على أن المؤسسة وضعت معايير صارمة لاسترجاع واستلام البذور، منها ألا تقل النقاوة عن 95%، وألا تزيد الرطوبة النهائية عن 12%، مع وزن نوعي لا يقل عن 250 جرامًا لكل ألف حبة من الذرة الشامية لضمان جودة المحصول المحلي وقدرته على المنافسة.
وشدد الوادعي على أهمية الدور الرقابي، لافتاً إلى أنه تم تنفيذ أربع زيارات ميدانية كحد أدنى خلال الموسم للتفتيش الحقلي ومكافحة الآفات، مؤكداً أن المؤسسة تمتلك مخزونًا كافيًا من مختلف الأصناف المنتجة في مزارعها أو المسترجعة من القروض، وهي على أتم الاستعداد لتغطية احتياجات المواسم القادمة بالكامل إذا توفر الدعم اللازم، لافتاً إلى أن المؤسسة وقعت مؤخرًا مع وحدة التمويل لصيانة صنفين من أصناف الذرة الشامية المحلية، وهما سيتي لاجوس وتعز، خلال ثلاثة مواسم، كما أن المؤسسة ستسعى في الشهور القادمة إلى إنتاج بذور هجن بالتعاون مع البحوث.
الجمعيات الزراعية.. جسر التواصل الميداني
وفي قلب الحدث بمديرية الحجيلة، كان للعمل الجماعي كلمة الفصل.
و التقينا بالشيخ حسن مزرية، رئيس جمعية الحجيلة التعاونية الزراعية، الذي رسم لنا لوحة ميدانية لما تحقق هذا الموسم، مؤكدًا أن النجاح كان “لافتًا وكبيرًا” من حيث الجودة والإنتاجية.
وبين أن المساحة المزروعة هذا الموسم بلغت ما بين 400 إلى 500 معاد، متوقعاً أن يصل حجم الإنتاج الإجمالي إلى ما يقارب 800 إلى 1000 طن من الذرة الشامية، وهو مؤشر يعكس مدى استجابة الأرض لجهود المزارعين.”
ولم يقف دور الجمعية عند التخطيط، بل امتد ليكون سندًا مباشرًا للمزارع.
ويوضح الشيخ امزرية أن الجمعية اضطلعت بدور محوري يشمل التوعية والإرشاد، توفير المدخلات، القروض البيضاء، مؤكدًا أن الهدف من هذه التحركات هو توجيه المزارعين نحو الممارسات الصحيحة في الحراثة، واختيار البذور المحسنة، واعتماد أساليب الري الحديث والتسميد العلمي، بالإضافة إلى دعم المزارعين بمبيدات مجانية لتشجيعهم، وصولًا إلى توفير “فراطات” الذرة الشامية لتسهيل عملية الحصاد.
كما هدفت الجمعية إلى تقديم سيولة نقدية لتمكين المزارعين النموذجيين من شراء شبكات الري والأسمدة وفق الإمكانيات المتاحة.
وعلى الرغم من هذا النجاح، لم يخفِ امزرية وجود عوائق ميدانية، حيث نقل شكاوى المزارعين من آفة “دودة الحشد الخريفية”، ونقص الكادر الإرشادي المؤهل، فضلًا عن الاحتياج الملح لشبكات الري.
أما عن معضلة التخزين والتسويق، فقد كشف رئيس جمعية الحجيلة عن خطوة استراتيجية قائلًا: “نعاني من غياب مراكز تجميع ومخازن خاصة، ونعمل حاليًا على تنظيم ونقل السوق الشعبي العشوائي إلى مكان مناسب تحت إشراف الجمعية، لكننا استطعنا كسر حاجز القلق لدى المزارع عبر التنسيق المباشر مع تجار المديرية والمناطق المجاورة لشراء المحصول من الحقل مباشرة بأسعار مجزية تراوحت بين 300 إلى 320 ريالًا للكيلو، مما خلق حالة من الارتياح الكبير وعزز الثقة في جدوى الاستمرار في هذا المحصول الاستراتيجي.”
من جانبه يوضح رئيس جمعية باجل عادل سام أن مديرية باجل قدمت دعمًا للمزارعين شمل توزيع البذور كقروض بيضاء من مؤسسة إكثار البذور، لافتًا إلى استمرار الجهود بالتعاون مع مؤسسة البذور والاتحاد التعاوني الزراعي وهيئة تطوير تهامة ومؤسسة بنيان حتى الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.
صوت المزارع.. “عرق الجبين يثمر ذهبًا”
ومن بين أكوام الذرة وتحت حرارة الشمس، رصدنا مشاعر المزارعين الذين عبروا عن ارتياحهم لوفرة المحصول هذا العام.
ويقول ياسين مرزوق، أحد المزارعين النموذجيين في الجراحي: “الحمد لله، المحصول هذا العام أفضل بكثير من الماضي، لكننا ما زلنا نعاني من ارتفاع تكاليف الري والحراثة”.
وعند سؤالهم عن العائد، أجمعوا على أن الزراعة التعاقدية أعطتهم الأمان، مطالبين الجهات المعنية بالمزيد من الدعم في توفير وحدات الطاقة الشمسية وتخفيض أسعار المدخلات لضمان استمرارهم في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.
وفي أحد الحقول الممتدة بمديرية الحجيلة، التقينا بالمزارع عدنان عمر عمر الدرسي، وهو أحد المزارعين الذين اعتمدوا الطرق الحديثة هذا الموسم، حيث بادرنا والابتسامة ترتسم على وجهه وهو يراقب “فراطة” الذرة وهي تنجز عملها: “هذا الموسم يختلف عن كل ما سبقه؛ فقد كانت الأرض كريمة معنا لأننا أعطيناها حقها من الرعاية بتوجيهات الجمعية. استخدمنا البذور المحسنة والتزمنا بإرشادات الري والتسميد، والنتيجة كانت محصولًا وفيرًا وجودة لم نعهدها من قبل.”
وعن لحظة الحصاد واستلام القيمة، أضاف بنبرة يملؤها الرضا: “لطالما كان همنا الأكبر هو (بعد الحصاد).. أين سنذهب بالمحصول؟ وكيف سنواجه جشع الوسطاء؟ لكن هذا العام، استلمنا قيمة عرقنا نقدًا في قلب الحقل وبسعر وصل إلى 320 ريالًا للكيلو. الفرحة اليوم لا تسعنا، فالمزارع حين يرى ثمن تعبه مجزيًا ومباشرًا، ينسى كل عناء الزراعة ويتحفز للزراعة في الموسم القادم.”
وفي سياق آخر لم يخلُ حديث المزارع محمد قاسم مساوى من “رسالة أمل” وجهها للمسؤولين، حيث قال:”نحن مستعدون لتحويل كل شبر في باجل إلى ذهب أصفر، لكننا نحتاج من وزارة الزراعة والجهات المعنية لفتة قوية تجاه مكافحة الآفات التي أرهقتنا، وتوفير كادر إرشادي يتواجد معنا باستمرار في الحقول، فالمزارع التهامي صلب ومثابر، ولكنه يحتاج إلى العلم والإمكانيات ليحقق المعجزات.”
إن نجاح موسم الذرة الشامية في تهامة هذا العام هو نموذج حي لما يمكن أن يحققه “التكامل” بين السياسات التنظيمية والجهود العلمية والعمل التعاوني، فهي المسار الوحيد لتحقيق الاكتفاء الذاتي. يبقى التحدي القائم هو تقليل تكلفة الإنتاج لتعظيم ربحية المزارع البسيط.







