إرشاداتصحافة

نزيف الذهب الأزرق: حين يتحول البحر من مورد حياة إلى سلعة للنخب

Al HUDAYDAH, YEMEN – DECEMBER 06: A Yemeni fishing worker patches a fishing net on his boat docked at the fishing port in the Sea Port of Al Hudaydah on December 06, 2021 in Al Hudaydah, Yemen. Fishing workers who live in Al Hudaydah relied totally on fishing for their livelihood at the Red Sea Port of Al Hudaydah city before the war eruption, but following the war, the Saudi-led coalition is blocking fishing workers from reaching fishing grounds off Al Hudaydah coast. When thousands of Yemeni fishing workers move deeper in fish breeding grounds, helicopters hover over them and are targeted so they can not fish anywhere except in shallow water areas where fish are rarely present. (Photo by Mohammed Hamoud/Getty Images)

تشير المعطيات الميدانية الصادمة إلى تراجع غير مسبوق في المخزون السمكي اليمني خلال السنوات الخمس الماضية، فبعد عقود من الوفرة، بات الصياد اليمني اليوم يواجه واقعًا مريرًا، حيث يخرج إلى عرض البحر مثقلًا بالديون ليعود بخيبة أمل متجددة وشباك خاوية إلا من الحسرة. وتتركز هذه الأزمة الخانقة بشكل خاص في محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين ترفدان السوق المحلية بنحو ستين بالمئة من إجمالي الإنتاج السمكي، حيث يؤكد الصيادون هناك أن البحر لم يعد كما كان، فمعظم رحلات الصيد باتت تعجز عن توفير الحد الأدنى من متطلبات إعالة أسرهم، في مؤشر خطير على انهيار بيئي واقتصادي يلوح في الأفق.
وتتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا الانهيار، إلا أن أبرزها وأخطرها يتمثل في غول مصانع طحن الأسماك التي نبتت خلال السنوات الخمس الأخيرة على امتداد ساحل حضرموت والمهرة بواقع عشرة مصانع. ورغم أن تراخيصها القانونية كانت تقتصر على معالجة مخلفات الأسماك، إلا أنها انحرفت لتلتهم الأسماك الطازجة بكميات مرعبة، حيث تستهلك يوميًا نحو ألف وستمائة طن، بطاقة إنتاجية سنوية تتجاوز خمسمائة وخمسة وثلاثين ألف طن، وهو ما يعادل ضعف الإنتاج السنوي لليمن بأكمله. وتكشف الحقائق الاستقصائية أن هذه المصانع تعتمد بنسبة سبعين بالمئة على الأسماك الطازجة الصالحة للاستهلاك البشري، حيث تشتري الطن بسعر ثابت لا يراعي مواسم التكاثر أو الأحجام، مما حول الثروة الوطنية إلى مسحوق وزيوت تُصدَّر إلى الخارج. ويُضاف إلى ذلك ممارسات الصيد التدميرية، كاستخدام شباك الجر والتفجير والشباك الخيشومية التي تقضي على الموائل الطبيعية والشعاب المرجانية، فضلًا عن تأثيرات التغير المناخي وارتفاع حرارة المياه.
إن استنزاف المخزون السمكي يضرب المجتمع اليمني في صميمه؛ فمن الناحية الاقتصادية تتكبد المجتمعات الساحلية خسائر فادحة، بينما تحقق مصانع الطحن أرباحًا طائلة بلغت نحو ستة وستين مليونًا وستمائة ألف دولار من تصدير مسحوق السمك خلال السنوات الأربع الماضية. أما اجتماعيًا، فإن استمرار هذا النهب يؤدي إلى إفقار المجتمعات التي اعتمدت على البحر لقرون، والأخطر من ذلك هو التهديد المباشر للأمن الغذائي؛ فالأسماك هي المصدر الرئيسي للبروتين الحيواني لملايين اليمنيين، وانهيار هذا المورد يعني كارثة معيشية، خاصة في المناطق الجنوبية الساحلية حيث تعتمد تسعة بالمئة من الأسر كليًا على الصيد كمصدر للدخل.
ويقف المخزون السمكي اليمني اليوم أمام منعطف وجودي خطير، فاستمرار الممارسات الحالية من مصانع طحن الأسماك المخالفة وممارسات الصيد المدمرة، في ظل غياب الإرادة السياسية للرقابة، يعني انهيارًا محققًا لهذا المورد الحيوي. إن المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الإرادة لتطبيقها، وهو ما يتطلب قرارات حازمة بإغلاق المصانع المخالفة وتنظيم مواسم الصيد وحماية حقوق المجتمعات المحلية التي رأت بحرها يتحول من مورد للحياة إلى سلعة للنخب والصراعات. إن الحفاظ على هذه الثروة هو معركة بقاء لا تقبل التأجيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى