
استنفار زراعي ومجتمعي لمواجهة السيول وتعزيز الأمن الغذائي
مع اقتراب موسم “الخريف” الزراعي وتزايد المؤشرات المناخية على هطول أمطار غزيرة، تعيش مناطق وديان تهامة وكثبانها حالة من الاستنفار الشامل. فمن ضفاف وادي مور شمالًا إلى وادي سهام وسردد وسطًا وحتى وادي زبيد جنوبًا، تتضافر الجهود الرسمية والمجتمعية لإصلاح منشآت الري والسيطرة على السيول للاستفادة منها وحماية القرى والأراضي الزراعية من مخاطرها المحتملة.
في هذا التقرير، نستعرض الاستعدادات الفنية والمبادرات الزراعية والتحديات التي تواجه المزارعين والجمعيات في سباق مع الزمن قبل ذروة الموسم.
في هذا السياق، يوضح المهندس محمد الشريف، مدير المنطقة الزراعية الشمالية، أن العمل يجري على قدم وساق لتجهيز قنوات الري لتغطية أكبر مساحة زراعية ممكنة لموسم الخريف القادم (يوليو – سبتمبر).
وفيما يتعلق بإجراءات الحماية والصيانة، يؤكد الشريف أنه تم توفير المحروقات والبطاريات لمولدات الحاجز التحويلي بوادي مور، وتأمين نوبات حراسة وتشغيله على مدار الساعة. كما تم حماية مواقع استراتيجية مثل “بوابة فتح الرحمن”، وتأمين قرية “الغرزة” بالجابيون، وإغلاق مجرى “الصماد 3” الذي كان يهدد الطريق الحيوي بين الزهرة واللحية.
وفيما يخص تجهيز القنوات، يشير الشريف إلى جاهزية “قناة الدرعانية” التي تروي نحو 5000 معاد وتمتد 7 كيلومترات بعد فترة من الإهمال، كما تم إرسال معدات (شيولات) لتدعيم الحواجز الترابية في قرى دير مضيع والدويرة.
ويحذر الشريف من المنخفض الجوي الحالي، داعيًا إلى مضاعفة الجهود لصيانة العقوم السفلى (اللاوي ونجران)، ويوجه نصيحة للمزارعين بالبدء فورًا في تجهيز أراضيهم، محذرًا من قطع المصدات المائية الذي يتسبب في جرف التربة وتدهور الوضع المائي.
الاستعدادات في المنطقة الوسطى..
من جانبه، يوضح المهندس يحيى حاتم، مدير المنطقة الزراعية الوسطى، أن الاستعداد لاستقبال موسم الأمطار القادم قد بدأ مبكرًا في شهر رمضان، حيث تم تنفيذ ورشة لرؤساء الجمعيات المعنية مع رئاسة الهيئة العامة لتطوير تهامة، وتم الاتفاق على آلية مشتركة بين الهيئة والجمعيات بالمنطقة الزراعية الوسطى.
ويشير إلى أن الخطة الفنية ترتكز على ضمان التوزيع العادل للمياه بين مناطق “الأعلى” و”الأسفل” وفقًا للأعراف الزراعية العريقة، مع تكثيف العمل الميداني لإزالة العوائق والترسبات التي تعيق تدفق السيول إلى الأراضي البعيدة، وذلك من خلال مبادرات مجتمعية توفر فيها المنطقة الآليات والإشراف الفني والهندسي، بينما تقوم الجمعيات بالتنفيذ في الميدان.
ويؤكد حاتم أن إدارة المنطقة رفعت درجة الجاهزية في مواجهة السيول، حيث يتم الاعتماد على شبكة من المراقبين في أعالي الأودية بمنطقة الحجيلة لوادي سهام، ومنطقة الخميس لوادي سردد، لتفعيل الإنذار المبكر للمزارعين ومرتادي الأودية والمواطنين قبل وصول السيول الجارفة.
كما تم التنسيق الوثيق مع السلطات المحلية والجمعيات، حيث أعقبت الورشة الرئيسية ورشات عمل لتوحيد الجهود وتنسيقها وتحديد النقاط الحرجة والمعرضة للانجراف، ويؤكد حاتم أن حماية الأرواح والممتلكات الزراعية هي المحرك الأساسي للجهود هذا الموسم، داعيًا المزارعين إلى الالتزام بالإرشادات والابتعاد عن بطون الأودية أثناء تدفق السيول.
ويوضح حاتم أن العمل جاري في أعلى الأودية بالحجيلة وباجل لفتح القنوات وتصريف السيول لري الأراضي الزراعية، مما يخفف من شدة جريان السيول وكميتها، ويحد من أضرارها على الأراضي والقرى بأسفل السهل التهامي.
الدور التنفيذي للجمعيات الزراعية
من جانبه، يشير عبدالعزيز عويدان، رئيس جمعية القناوص التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، إلى تنفيذ مبادرات لإقامة حواجز ترابية لتوزيع مياه السيول، مؤكدًا أن الجمعية ستعمل على التوسع في زراعة فول الصويا هذا العام إلى جانب الذرة والسمسم، وتوفير “قروض بيضاء” (بذور، مبيدات، أسمدة)، إلى جانب حصادات آلية.
ويوضح عويدان أن الجمعية تسعى لإبرام عقود تسويقية لمحاصيل الدخن والسمسم لضمان أسعار عادلة للمزارعين وتجنب خسائر ما بعد الحصاد.
من جهته، يوضح حمدان عُباد، المدير التنفيذي لجمعية الزهرة الزراعية التعاونية متعددة الأغراض، تحدي “تنظيم الري”، مؤكدًا أن المناوبة في الحاجز التحويلي تتبع الهيئة، بينما تعتمد الجمعية على “العرف القبلي” (الأول فالأول) لتفادي النزاعات.
وعن المدخلات الزراعية، يبين عُباد أن الجمعية تعمل على التنسيق مع القطاع الخاص لتوفير حراثات ومنظومات طاقة شمسية، وتسويق المنتجات الزراعية بعدالة لمنع احتكار التجار.
وفي ذات السياق، يؤكد إبراهيم العمار، المدير التنفيذي لجمعية زبيد الزراعية التعاونية متعددة الأغراض، أن الجمعية وضعت خطة ميدانية طارئة لتجهيز الأراضي الزراعية واستقبال الموسم المطري بكفاءة عالية. ويوضح العمار أن الجمعية تعمل على توفير وحدات الحراثة وتوزيعها جغرافيًا لضمان إنجاز الحراثة المجتمعية في وقت قياسي، مشيرًا إلى أن توفير المحروقات بالسعر الرسمي للمعدات يأتي على رأس أولويات الجمعية لتخفيف التكاليف عن كاهل المزارعين.
وفيما يخص مدخلات الإنتاج، كشف العمار عن تقديم تسهيلات كبرى للحصول على بذور المحاصيل المطرية كالذرة الرفيعة والدخن والسمسم ذات الجودة العالية، وذلك عبر نظام “القروض البيضاء” الذي يتيح للمزارع استلام البذور وتسديدها بالمثل بعد الحصاد.
ويشير العمار إلى أن الجمعية بدأت بالفعل في إبرام “عقود الزراعة التعاقدية” لضمان تسويق محاصيل المزارعين بأسعار تشجيعية، مؤكدًا أن التنسيق جارٍ مع كافة الجهات الرسمية لضمان موسم زراعي ناجح يعزز من فاتورة الأمن الغذائي.
صوت المزارعين.. آمال ومخاوف
تتفاوت آراء المزارعين بين التفاؤل والاحتياج
حيث يقول عبدالله هارون من زبيد: ننتظر السيل بشغف، لكننا نحتاج إلى سرعة أكبر في توفير وحدات الحراثة لتجهيز الأراضي قبل فوات الأوان”.
ومن مديرية الزهرة يعبر المزارع عيسى فرنتي عن قلقه بالقول:«السيول في وادي مور هادرة، استعدينا بالجابيون التي وضعتها إدارة المنطقة الزراعية الشمالية وتنفيذ المبادرات المجتمعية لتنظيف القنوات الرئيسية والفرعية، ونأمل ألا تخذلنا العقوم الترابية أمام السيول الكبيرة كما يحدث في كل عام”.
وفي مديرية الزيدية يطالب المزارع موسى حنتوش :بسرعة توفير البذور و بأسعار مدعومة،ويشير أن تكلفة الحراثة والديزل تنهك كاهل المزارعين، قبل أن نبدأ الموسم،مبينا أن المزارعين يحتاجون الحراثة المجتمعية وبأسعار رخيصة أكثر من حاجتهم للبذور
إن تضافر جهود هيئة تطوير تهامة، ممثلة بالمناطق الزراعية، مع الجمعيات الزراعية والمزارعين، يمثل “طوق نجاة” للموسم الزراعي الحالي. وبينما تبشر الاستعدادات الفنية في وادي مور وبقية الوديان بموسم خير، يظل التحدي الأكبر هو الاستمرارية في صيانة المنشآت ومواجهة الاحتكار التجاري. فنجاح موسم الخريف هو خطوة استراتيجية نحو تعزيز السيادة الغذائية في ظل الظروف المناخية والاقتصادية الراهنة.




