تقاريرصحافة

قطاع الثروة الحيوانية في اليمن

ملحمة صمود في وجه العدوان والحصار وإنجازات استراتيجية تكسر قيود التبعية

لم يكن صمود قطاع الثروة الحيوانية في اليمن خلال العقد الأخير (2015-2025) مجرد حالة دفاعية في وجه التحديات والحصار، بل تحول إلى استراتيجية وطنية شاملة لإعادة بناء السيادة الغذائية. فبينما كانت أرقام الخسائر في البنية التحتية والمواشي تنذر بانهيار وشيك، استطاعت التدخلات المؤسسية والتحولات في سلاسل القيمة أن تخلق واقعاً إنتاجياً جديداً؛ حيث قفزت معدلات إنتاج الألبان والدواجن إلى مستويات قياسية، وبدأت ملامح الاكتفاء الذاتي تترجم فعلياً على أرض الواقع، معيدةً الاعتبار لهذا القطاع كعمود فقري للاقتصاد الريفي والوطني على حد سواء.
وفي هذا السياق يؤكد وكيل قطاع الثروة الحيوانية بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية الدكتور عبدالرؤوف الشوكاني أن قطاع الثروة الحيوانية في اليمن تعرّض خلال سنوات العدوان والحصار (2015–2025م) لخسائر فادحة طالت مختلف مكوناته الإنتاجية، إلا أنه استطاع – بفضل صمود المربين وتدخلات الدولة – أن يتحول إلى قطاع واعد يشهد نمواً متسارعاً ويقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات الحيوانية.
ويوضح الشوكاني أن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع يعكس حجم الاستهداف الممنهج لمصادر الأمن الغذائي، حيث بلغت خسائر القطاع نفوق 442 ألفاً و507 رؤوس من المواشي، وتدمير 4237 مزرعة دجاج وفقاسات بيض ومعامل أعلاف، إضافة إلى تضرر 426 حظيرة للمواشي والأبقار، ونفوق 42750 خلية نحل، و90 رأساً من الخيول، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج خلال السنوات الأولى للعدوان.
ويشير إلى أن هذه الخسائر لم تكن مجرد أرقام، بل انعكست بشكل مباشر على سبل عيش آلاف الأسر الريفية التي تعتمد على تربية الحيوانات كمصدر رئيسي للدخل والغذاء، مؤكداً أن التحديات تضاعفت بفعل الحصار وارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص المدخلات الأساسية، خصوصاً الأعلاف والأدوية البيطرية.
ورغم ذلك، يلفت الشوكاني إلى أن القطاع شهد تحوّلاً مؤسسياً مهماً مع تشكيل حكومة التغيير والبناء، حيث تم إنشاء قطاع مستقل للثروة الحيوانية بعد أن كان موزعاً بين إدارات متفرقة، الأمر الذي أسهم في توحيد السياسات وتعزيز كفاءة التخطيط والتنفيذ، وتوسيع البرامج التنموية والإرشادية.
ويبين أن الثروة الحيوانية تمثل أحد أهم ركائز الاقتصاد الزراعي في اليمن، حيث توفر البروتين الحيواني من اللحوم والحليب والبيض، إلى جانب منتجات أخرى كالجلود والصوف والعسل، وتشكل مصدر دخل رئيسي لملايين اليمنيين، خاصة في الريف.
ووفقاً لكتاب الإحصاء الزراعي للعام 2023م تضم اليمن أكثر من 10.7 ملايين رأس من الضأن، و10.3 ملايين رأس من الماعز، وقرابة 2 مليون رأس من الأبقار، إضافة إلى 462 ألف رأس من الجمال، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة لهذا القطاع. وبالمقارنة مع أعداد الثروة الحيوانية للعام 2014م، والتي بلغت: الضأن 9,688,145 رأساً، والماعز 9,379,831 رأساً، والأبقار 1,768,442 رأساً، والإبل 459,885 رأساً، بإجمالي 21,296,303 رؤوس؛ يتبين وجود فارق إيجابي ونمو ملحوظ في إجمالي القطيع بنسبة تقدر بـ 10.3% زيادة عن العام 2014م. ويعود هذا النمو إلى سلسلة من الإجراءات والقرارات الاستراتيجية، وفي مقدمتها قرار وقف استيراد الأبقار من القرن الأفريقي الذي شجع الإنتاج المحلي، إضافة إلى تكثيف حملات التوعية بمخاطر ذبح إناث وصغار المواشي، وهي العوامل التي ساعدت بشكل مباشر على زيادة الثروة الحيوانية، وحماية أصولها الإنتاجية، والمساهمة في نموها المستدام.
قطاع الدواجن… نجاحات نوعية نحو الاكتفاء
وفي جانب الإنتاج، يوضح الشوكاني أن إنتاج اللحوم البيضاء (الدواجن) وصل في العام 2025م بين 180 إلى 200 ألف طن سنوياً، فيما يصل إنتاج بيض المائدة إلى نحو 1.5 مليار بيضة سنوياً، مع وجود أكثر من 6000 منشأة ومزرعة دواجن، مشيراً إلى أن هذا القطاع بات يمثل العمود الفقري للأمن الغذائي في اليمن.
ويؤكد أن قطاع الدواجن شهد نقلة نوعية خلال السنوات الأخيرة، حيث تمكن المنتج المحلي من فرض حضوره في السوق والتفوق على المستورد، خاصة بعد اتخاذ قرار إيقاف استيراد الدواجن المجمدة في عام 2025م، والذي أسهم في خفض فاتورة الاستيراد بنحو 86 مليون دولار، وإعادة تشغيل أكثر من 1500 مزرعة، وتسويق آلاف الأطنان من الدواجن المحلية.
ويضيف أن الجهود الحكومية أسفرت عن استعادة نشاط نحو 1200 هنجر إنتاجي، وإعادة تشغيل 5 مسالخ كبرى، وإنشاء 4 مسالخ آلية جديدة وإعادة تشغيل ثلاث فقاسات متوقفة إضافة إلى تشغيل مايزيد عن 8 منشآت تصنيع ومعاملة أعلاف، ورفع السعة التخزينية لمخازن التبريد إلى 20 مليون دجاجة، إلى جانب التوسع في مشروع تجميد الدواجن الذي نجح في تسويق أكثر من 5 ملايين دجاجة.
سلسلة الألبان… تحول استراتيجي من الاستيراد إلى الإنتاج
وفيما يتعلق بقطاع الألبان، يؤكد الشوكاني أن اليمن يشهد تحولاً ملحوظاً ضمن الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة الحليب ومشتقاته، والتي انطلقت عملياً منذ منتصف عام 2023م, مستهدفة بناء منظومة إنتاجية متكاملة تقلل الاعتماد على الاستيراد وتعزز الاكتفاء الذاتي.
ويوضح أن إجمالي الاستثمارات الموجهة لسلسلة الألبان بلغ نحو 8.8 مليارات ريال، شملت تطوير البنية التحتية، ودعم الإنتاج، وتعزيز الخدمات البيطرية، والتوسع في قدرات التجميع والتصنيع، خصوصاً في مناطق تهامة.
وكذلك يشير إلى منجزات في مجال تربية النحل وإنتاج العسل حيث تم خلال الفترة السابقة تدريب 2000 مستفيد في رعاية وتربية النحل وإنتاج العسل وتوزيع عدد 30.000 خلية نحل للمتدربين. وتم إنشاء 4 معامل فرز العسل وإنتاج الشمع و 4 مراكز إكثار النحل.
ويشير إلى أن هذه التدخلات أسهمت في تحقيق نتائج ملموسة، أبرزها انخفاض فاتورة الاستيراد بنسبة 4.93%، وتوفير نحو 19 مليون دولار من النقد الأجنبي سنوياً، في خطوة مهمة نحو إحلال المنتج المحلي محل المستورد.
وفي جانب الإنتاج، يبين أن إنتاج الحليب شهد قفزة نوعية، حيث ارتفع من 16 ألفاً و470 لتراً يومياً قبل تنفيذ الاستراتيجية، إلى نحو 157 ألف لتر يومياً بنهاية عام 2025م، وهو ما يعكس نمواً كبيراً في القدرة الإنتاجية خلال فترة وجيزة.
ويضيف أن البنية التحتية للسلسلة شهدت تطوراً ملحوظاً، من خلال إنشاء مراكز لتجميع الحليب، وتوريد معدات تصنيع، وإنشاء مصنع للأعلاف المركزة يعتمد على مدخلات محلية، إلى جانب إنشاء مزرعة نموذجية في تهامة بطاقة تصل إلى 3000 بقرة سنوياً. كما تم تعزيز الخدمات اللوجستية والبيطرية عبر توفير 1100 عبوة لجمع الحليب، و27 وسيلة نقل مبردة، وإنشاء 10 عيادات بيطرية، إلى جانب تدريب الكوادر الفنية وتأهيل الجمعيات التعاونية، بما يعزز استدامة الإنتاج وتحسين الجودة.
ويشير الشوكاني إلى أن البرنامج أسهم أيضاً في تمكين المجتمع المحلي، حيث تم إقراض 1500 مستفيد، بينهم جرحى وأسر شهداء، وتزويدهم بأبقار إنتاجية، ما ساعد على إدماجهم في العملية الإنتاجية وتحسين مصادر دخلهم. ويلفت إلى أن عدد منتجي الحليب ارتفع من 1218 منتجاً إلى أكثر من 14 ألف منتج خلال عامين ونصف، فيما بلغ عدد المستفيدين الكلي أكثر من 104 آلاف شخص، وهو ما يعكس توسعاً كبيراً في قاعدة الإنتاج.
كما حققت السلسلة عوائد اقتصادية مباشرة، حيث بلغت قيمة الحليب المورد شهرياً نحو 1.9 مليار ريال، بمتوسط دخل شهري للمنتج يصل إلى 135 ألف ريال، فيما تجاوز إجمالي السيولة المتداولة 36 مليار ريال خلال الفترة الماضية. ورغم هذه الإنجازات، يشير إلى أن الفجوة ما تزال قائمة، حيث يعتمد السوق بنسبة 69% على الاستيراد، في ظل احتياج سنوي يقدر بنحو 1.37 مليون طن من الألبان ومشتقاتها، ما يتطلب التوسع في الإنتاج خلال المرحلة المقبلة.
تنمية الإنتاج الحيواني والصحة البيطرية
وفي إطار تنمية الإنتاج الحيواني، يوضح الشوكاني أنه تم تنفيذ مشاريع تمكين الحلوب لنحو 980 مستفيداً، وتحسين الاستفادة من مخلفات المحاصيل الزراعية كأعلاف، إلى جانب إدخال تقنيات حديثة في مجال الأعلاف. كما تواصل الوزارة تنفيذ برامج الصحة الحيوانية، من خلال حملات التحصين والمسوحات البيطرية والترصد الوبائي، وتدريب الكوادر، وتوزيع الحقائب البيطرية في المناطق الريفية. إضافة إلى توزيع أدوية بيطرية من قطاع الثروة الحيوانية لعدد 13 محافظة ليتم توريدها على العيادات الدوارة في الجمعيات النموذجية مساندة مع الاتحاد التعاوني الزراعي.
وفي جانب التحسين الوراثي، يتم العمل على تطوير السلالات المحلية عبر برامج التلقيح الاصطناعي وتوزيع ذكور محسنة، وإنشاء مراكز لإكثار الأمهات، بهدف رفع الإنتاجية وتحسين جودة القطيع.
تحولات في سلاسل القيمة والصادرات
ويشير الشوكاني إلى نجاح الوزارة في تحويل عدد من مستوردي العجول إلى منتجين محليين ضمن سلاسل القيمة، بالتوازي مع قرارات تنظيم الاستيراد، ما أسهم في دعم الإنتاج الوطني. كما شهدت الصادرات الحيوانية نمواً ملحوظاً، حيث تجاوزت صادرات الأغنام والماعز 570 ألف رأس في عام 2025م، مقارنة بـ 450 ألف رأس في عام 2024م.
تحديات قائمة… وحلول مستمرة
ورغم هذه النجاحات، يؤكد الشوكاني أن القطاع لا يزال يواجه تحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة، والأمراض الوبائية، وضعف البنية التحتية، مشيراً إلى تبني حزمة من الحلول تشمل التوسع في الزراعة التعاقدية، والبحث عن بدائل محلية للأعلاف، وتعزيز التصنيع الغذائي.
رؤية مستقبلية
ويؤكد الشوكاني على أن المرحلة القادمة ستركز على التوسع في مشاريع الألبان في محافظات جديدة، وتوفير أكثر من 200 ألف فرصة عمل، وتنمية المراعي، والحفاظ على السلالات المحلية، وتنظيم الأسواق. ويؤكد أن قطاع الثروة الحيوانية، رغم ما تعرض له من دمار، أصبح اليوم أكثر تماسكاً، ويمضي بثبات نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز الأمن الغذائي، وفتح آفاق واسعة للتنمية الاقتصادية في الريف اليمني.

      رغم خسائر العدوان الفادحة، تحول قطاع الثروة الحيوانية إلى ركيزة واعدة تقترب من الاكتفاء الذاتي
      قرار إيقاف استيراد الدواجن وفر 86 مليون دولار وأعاد تشغيل 1500 مزرعة محلية.
      قفزة نوعية في إنتاج الحليب من 16 ألف لتر إلى 157 ألف لتر يومياً بنهاية 2025م.
      ارتفاع عدد منتجي الحليب من 1200 إلى 14 ألف منتج، ليفيد أكثر من 104 آلاف شخص.
      قطاع الثروة الحيوانية اليوم أكثر تماسكاً، ويمضي بثبات نحو سيادة الغذاء وتحقيق الاكتفاء الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى