
من العشوائية إلى التنظيم
اليمن الزراعية- الحسين علي
في إطار توجه الدولة نحو تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي، تبرز الاستراتيجية الوطنية لتنمية قطاع الدواجن كأحد أهم المسارات الإصلاحية في القطاع الزراعي، لما تمثله من ركيزة أساسية في إحلال المنتج المحلي بديلاً عن المستورد، وتنظيم سوق طالما عانى من العشوائية وعدم الاستقرار.
يؤكد المهندس عبدالعزيز الجنيد، مدير عام إدارة الثروة الحيوانية بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، أن قطاع الدواجن يُعد من القطاعات الحيوية والواعدة، لما يمثله من أهمية مباشرة في توفير اللحوم البيضاء وتعزيز منظومة الأمن الغذائي الوطني.
ويوضح الجنيد أن قطاع الدواجن واجه خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة، أبرزها عدم انتظام الإنتاج وتذبذب الأسعار، ما أدى إلى خروج آلاف صغار المربين من السوق، نتيجة غياب الدور التنظيمي واعتماد آليات تسويق غير عادلة. غير أن التدخل الحكومي المنظم، عبر الاستراتيجية الوطنية لتنمية الدواجن، شكّل نقطة تحول أعادت التوازن للسوق ووضعت أسسًا واضحة للنمو والاستدامة.
ويشير إلى أن الاستراتيجية شملت تنظيم استيراد أمهات الدواجن، ومنع استيراد الدجاج المجمد لحماية المنتج المحلي، إلى جانب الشروع في تطبيق آلية البيع بالوزن للدجاج الحي، باعتبارها الأكثر عدالة وشفافية في التسعير.
ويبيّن الجنيد أن الوزارة وجّهت الاستثمارات نحو تطوير سلسلة القيمة، من خلال إنشاء وتشغيل المسالخ الآلية، وتوفير الثلاجات ووسائل النقل المبردة، بما أتاح تحويل الدواجن من منتج حي محدود التسويق إلى منتج مبرد أو مجمد قابل للتخزين والتوزيع على مدار العام، الأمر الذي أسهم في استقرار الأسعار وتوفر السلعة في مختلف المواسم.
وفيما يخص البيع بالوزن، يوضح أن هذه الآلية تمثل جوهر الإصلاح في سوق الدواجن، إذ تعتمد على معيار يعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج، ويضمن ربحًا عادلًا للمربي وسعرًا منصفًا للمستهلك، ويحد من العشوائية والتلاعب السعري، إضافة إلى تحسين جودة المنتج ورفع ثقة المستهلك من خلال أوزان ومواصفات واضحة.
ويشدد الجنيد على الدور المحوري للجمعيات الزراعية متعددة الأغراض في دعم صغار المربين وتنظيم الإنتاج والتسويق الجماعي، من خلال توفير مدخلات الإنتاج، وتطبيق الزراعة التعاقدية، وخفض التكاليف عبر الشراء الجماعي وتقليل نفقات النقل، فضلًا عن دورها التوعوي في نشر ثقافة البيع بالوزن ومتابعة الضبط في المسالخ.
ويؤكد على أن الجمعيات تمثل حلقة الوصل الفاعلة بين المربين والوزارة والأسواق، والذراع التنفيذي للسياسات الحكومية، بما يسهم في تنظيم القطاع وتقليل الخسائر وترسيخ إحلال المنتج المحلي بديلاً مستدامًا عن المستورد.
من جانبه يشير الأستاذ علي الهارب، نائب مدير عام التسويق الزراعي، إلى أن آلية تسويق الدواجن الحالية تعتمد على استراتيجية سلاسل القيمة المتكاملة، التي تهدف إلى نقل القطاع من العشوائية وهيمنة الوسطاء إلى التنظيم المؤسسي، بما يضمن حقوق المنتج والمستهلك، ويخفض الهدر والتكاليف.
ويوضح أن هذه الاستراتيجية تقوم على الزراعة التعاقدية من خلال اتفاقات مسبقة بين المزارعين والجهات المسوقة، ما يوفر سوقًا مضمونًا ويحمي المزارع من تقلبات الأسعار، إلى جانب التجهيز والتجميد المحلي عبر المسالخ الآلية الحديثة، ليكون المنتج الوطني بديلًا حقيقيًا للدجاج المستورد.
ويشير الهارب أن من أبرز التحولات ضمن مشروع الزراعه التعاقدية هو تفعيل البيع بالوزن بدلًا من البيع بالحبه في المشروع تحقيقًا للعدالة السعرية، حيث يدفع المستهلك مقابل الكمية الفعلية، ويحصل المزارع على قيمة عادلة لإنتاجه.
ويبين أنه تم تسويق أكثر من 3000 طن من الدجاج المجمد المحلي بقيمة تجاوزت 7 مليارات ريال، ما أسهم في تقليص استنزاف العملة الصعبة.
ويشير إلى أن قرار إيقاف الاستيراد لم يكن مجرد منع، بل ترافق مع آليات بديلة، مكّنت المستوردين السابقين من التحول إلى تسويق المنتج المحلي تحت علامات تجارية وطنية، مع الحفاظ على استقرار السوق.
ويوضح أن التوجه في عام 2026 يركز على تطوير الزراعة التعاقدية، وتوفير الأعلاف واللقاحات عبر الجمعيات بنظام الدفع الآجل، إضافة إلى امتلاك بعض الجمعيات مسالخ وخطوط تبريد، ما مكنها من إنتاج علامات تجارية وطنية وتسويقها.
ويشير إلى أن هذا الدور أسهم في إعادة تشغيل مئات المزارع المتعثرة، وتحقيق استقرار في الأسعار، ونجاح ملموس في إحلال المنتج الوطني بالمدن الرئيسية.
أهمية إيقاف الاستيراد والتجميد المحلي
ويبين الهارب إلى أن إيقاف استيراد الدواجن المجمدة منذ 2025 شكّل حجر الزاوية في استراتيجية السيادة الغذائية، وتحقيق الامن الغذائي
وحمى صغار المزارعين من الإغراق، وأعاد تشغيل أكثر من 1500 مزرعة، وخلق فرص عمل واسعة.
و يؤكد أن التجميد المحلي أصبح صمام أمان للسوق، يحقق التوازن السعري، ويغطي فجوة الاستيراد، بطاقة تصل إلى 60–80 ألف دجاجة يوميًا، مع ضمان الجودة والذبح الحلال.
ويشير نائب مدير عام التسويق الزراعي أن خطة 2026 تمثل مرحلة التوسع والتمكين، عبر رفع الإنتاج، وتنظيم موسمية الإنتاج، وتوسيع الزراعة التعاقدية، وتشديد الرقابة الصحية، واعتماد الباركود الوطني لتعزيز ثقة المستهلك.
وفيما يخص القطاع الخاص، يوضح الهارب أن القطاع الخاص تفاعل بشكل كبير مع الاستراتيجية، حيث أُعيد تشغيل مسالخ كبرى، وإنشاء أخرى حديثة، وتوسيع قدرات التخزين، إلى جانب التوجه نحو توطين مدخلات الإنتاج وصناعة الأعلاف محليًا.وتنظيم التسويق المحلي
ويشير أن عام 2026 سيكون عام تثبيت الهوية التجارية للدجاج المجمد المحلي بوصفه الخيار الأول في السوق اليمنية
فتح آفاق للتصدير
من جهته يتحدث محمد الزاهري، مربّي دواجن، عن قطاع الدواجن باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، ورافداً مستداماً يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي من منتجات الدواجن، سواء الدجاج اللاحم أو بيض المائدة.
ويقول الزاهري: «بصفتي تاجراً ومربّي دواجن، أستطيع القول إن هذا القطاع أثبت قدرته على الاستمرار والتطور، ونجح في تقديم منتج وطني يتمتع بجودة عالية، جعلته قادراً على منافسة المنتج المستورد وتلبية احتياجات السوق المحلي بثقة»، مضيفا أن التطور الذي شهده القطاع لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة لتكامل الجهود بين المربين والتجار من جهة، والدولة من جهة أخرى.
ويشير إلى أن الدور الحكومي كان حاسماً في دعم المربين والتجار، عبر تسهيل الإجراءات، وتخفيض الرسوم على مدخلات الإنتاج، وتنظيم السوق، وحماية المنتج المحلي من الإغراق بالسلع المستوردة، سواء الدجاج المجمد أو بيض المائدة، والتي كان من شأنها إضعاف المنتج الوطني بدل توطينه وتعزيزه.
ويرى أن من أبرز مطالب تجار ومربّي الدواجن هو الاستمرار في تسهيل الإجراءات وفتح آفاق التصدير، من خلال عقد اتفاقيات مع الدول لفتح أسواق خارجية، مشيراً إلى أن القطاع اليوم مؤهل للانتقال من مرحلة الاكتفاء الذاتي إلى مرحلة التصدير، إذا ما توفرت البيئة التنظيمية الداعمة.
وفيما يخص التجميد، يوضح الزاهري أنه يمثل مرحلة تحويلية ضرورية لتنظيم السوق، قائلاً: «طالما نمتلك المنتج الأساسي وهو الدجاج الحي، إلى جانب مسالخ آلية متوفرة وفي تطور مستمر، وثلاجات قادرة على استيعاب الطلب الحالي وزيادته، فإن التجميد يصبح أداة لتنظيم التسويق وليس عبئاً على المنتج». وأضاف أن قدرات القطاع الإنتاجية تفوق الاستهلاك المحلي في حال تشغيله بكامل طاقته، ما يفتح المجال أمام التوسع والنمو.
البيع بالوزن هو الأساس
ويشدد على أن البيع بالوزن هو الأساس الحقيقي لاستقرار السوق، باعتباره آلية عادلة تمنع الكساد، وتنظم العلاقة بين العرض والطلب، وتحمي المربي والتاجر والمستهلك في آنٍ واحد. وأكد أن هذه الخطوة ستسهم في إنهاء العشوائية السعرية، وتضمن استدامة القطاع على المدى الطويل.
ويختم الزاهري حديثه بالتأكيد على أن المربين والتجار شركاء رئيسيون في إنجاح الاستراتيجية الوطنية للدواجن والبيض، من خلال الالتزام بتسويق المنتج المحلي، ورفع جودته، والتكامل مع توجهات الدولة، بما يعزز مكانة الدواجن الوطنية في السوق المحلي، ويمهد الطريق لوصولها إلى الأسواق الخارجية.
نشر الوعي وتثقيف صغار المربين
في إطار العمل التكاملي، تبرز الجمعيات التعاونية بوصفها الممثل الحقيقي لصغار المربين. ويؤكد عامر حسن، ضابط وحدة الدواجن في جمعية بيت الفقيه بمحافظة الحديدة، أن الجمعية تضطلع بدور محوري في تسويق الإنتاج الزراعي والحيواني، وفي مقدّمته إنتاج الدواجن، بما يسهم في استقرار دخل صغار المربين وضمان استمرارية نشاطهم الإنتاجي.
ويوضح حسن أن الجمعية تعاقدت مع قرابة مائة مزارع من صغار المربين من ذوي الدخل المحدود، وفق عقود واضحة ومحددة البنود، تكفل حقوق جميع الأطراف وتضمن الالتزام المتبادل بالمسؤوليات.
ويبيّن أن دور الجمعية لا يقتصر على التسويق، بل يمتد إلى نشر الوعي وتثقيف المربين، وتحسين أساليب التربية، وتقليل المخاطر خلال دورة الإنتاج، إضافة إلى استيعاب الكميات المنتجة، وهو ما انعكس إيجابًا على تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي لشريحة واسعة من المربين.
وأشار إلى التزام الأطراف بالشروط المتفق عليها، حيث يلتزم المربون بتوريد الكميات المحددة، فيما تلتزم الجمعية باستيعاب الإنتاج وسداد المستحقات المالية أو توفير مدخلات الإنتاج وفق ما نصّت عليه العقود.
ويؤكد حسن أن الجمعية تسعى إلى توسيع نطاق عملها واستهداف مربين جدد من ذوي الدخل المحدود، بما يسهم في تحسين أوضاعهم المعيشية، ومكافحة البطالة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي داخل المجتمع المحلي.
ويدعو حسن الجهات المعنية إلى مساندة الجمعية وتقديم الدعم اللازم لتطوير المشروع وتوسيعه داخل المديرية، مشيرًا إلى تطلعات الجمعية لتنفيذ مشاريع مستقبلية، أبرزها إنشاء سوق مركزي للدواجن ومسلخ متكامل، بما يعزز كفاءة التسويق ويرفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي، ويخدم أهداف التنمية المستدامة في القطاع.




