
ثورة “المجاميع الإنتاجية” لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص التكاليف
تعد الذرة الرفيعة “سيدة المحاصيل” في سهل تهامة، ليس فقط لكونها مصدراً رئيسياً للغذاء، بل لارتباطها الوثيق بالثقافة الزراعية المحلية.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، يشهد قطاع إنتاج الذرة الرفيعة تحولاً جذرياً يرتكز على ثلاثية: الزيادة الرأسية في الإنتاج، تحسين الجودة، وتقليل الكلفة، وذلك من خلال نموذج مبتكر يُعرف بـ “المجاميع الإنتاجية”.
و تعتمد الرؤية الجديدة في تهامة على تنظيم المزارعين في مجاميع إنتاجية مصغرة، تهدف إلى تحسين الإنتاج الرأسي عبر اعتماد البذور المحسنة (مثل “الغرب” و”الزعر” و”الشاحبي” و”الحُجينا”)، وتقليل الكلفة من خلال الشراء الجماعي للمدخلات واستخدام الميكنة المشتركة.
اليمن الزراعية- أيوب هادي
المزارعون والميسرون: قصة نجاح ميدانية
وفي قلب أحد المجاميع الانتاجية، يتحدث المزارع “علي عبده”، عن تجربته بالقول : “سابقاً كنا نزرع بجهد كبير وفائدة قليلة، و اليوم، من خلال المجموعة، أصبحنا نتبادل الخبرات.. لقد تعلمت كيف أختار البذور التي تقاوم الآفات، والآن إنتاج أرضي زاد بنسبة النصف عما كان عليه في السنوات الماضية.”
أما “ميسر المجموعة” عبده كمال، فيشرح دوره قائلاً: “مهمتي هي تيسير التواصل بين أعضاء المجموعة والجمعية..نراقب معاً مراحل النمو، ونحدد الموعد الأمثل للسقي التكميلي والحصاد، فالعمل الجماعي قلل من هدر المدخلات ، وجعلنا كتلة واحدة قادرة على التفاوض للحصول على أفضل سعر للمحصول.”
ضبط السلسلة: رؤية استراتيجية للتوسع الرأسي
ويعتبر التحول نحو “المجاميع الإنتاجية” في تهامة أحد أهم إعادة صياغة لاقتصاديات الذرة الرفيعة، وتضع تهامة من خلاله قدمها على الطريق الصحيح نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام.
ويوضح المهندس شمسان المنيري، ضابط سلسلة قيمة محاصيل الحبوب، الأبعاد التقنية لهذا التحول قائلاً: “تزرع الحبوب في اليمن مطرياً بنسبة 80%، ومن أهم العمليات التي تؤدي لرفع الإنتاج في وحدة المساحة هو الري التكميلي، حيث تساهم إضافة رية أو ريتين للمحصول في زيادة الإنتاج بنسبة 50%. ولتحقيق ذلك، لا بد من استنهاض المجتمع لتكثيف المبادرات في إنشاء وصيانة السدود والحواجز المائية”.
ويضيف المنيري: “نظراً لارتفاع تكاليف التوسع الأفقي (استصلاح أراضٍ جديدة وحفر آبار)، ركزنا على التوسع الرأسي عبر تشكيل المزارعين في مجاميع إنتاجية، وتدريب ميسرين تنمويين لكل مجموعة لمتابعة الاحتياجات وتحويل التحديات إلى فرص، مع تعميم الخبرات الناجحة بين المديريات والمحافظات”.
و لا يتوقف طموح “ضبط السلسلة” عند الإنتاج فقط، بل يمتد للتسويق والابتكار، حيث يؤكد المهندس المنيري أن هناك توجهاً لتنظيم التسويق عبر نظام إلكتروني ونقاط تجميع، ودمج المحصول في “الطحين المركب”.
ويختتم المنيري بالإشارة إلى فرصة اقتصادية كبرى: “تشير الدراسات إلى إمكانية استبدال الذرة الشامية المستوردة في تغذية الدواجن بالذرة الرفيعة والدخن بنسب تصل إلى 70% وحتى 100%، مما سيساهم بشكل مباشر في خفض فاتورة الاستيراد ودعم المزارع المحلي”.
دور الجمعيات والمؤسسات في دعم المجاميع
و تلعب الجمعيات التعاونية دور “المحرك” لهذه العملية، حيث يشير المنيري إلى أن التدخلات تتم عبر شركاء التنمية؛ فبينما يقدم الإرشاد الزراعي التوعية بأهمية الحراثة العميقة (بالصاروخ أو الصحون) التي ترفع العناصر الغذائية للجذور وتقضي على بيوض الحشرات، تقوم المؤسسات بتوفير البذور المحسنة.
و بلغ إجمالي البذور الموزعة للجمعيات خلال عام 1447هـ حوالي 73.32 طن، ساهمت فيها مؤسسة إكثار البذور بـ 37.92 طن، ومؤسسة الحبوب بـ 35.4 طن، بالإضافة إلى إكثار صنف “سيبون” في مزرعة سردد.
و في هذا السياق يوضح حسن مزرية رئيس جمعية الحجيلة الزراعية أن مديرية الحجيلة تزرع سنوياً مساحات واسعة من الذرة الشامية و الذرة الرفيعة في مقدمتها الغرب والزعر لكن كمية الإنتاج لم تكن تغطي إحتياجات السوق. ويضيف: “من خلال الجلسات الإرشادية ركزنا في الموسم الحالي على التدريب الميداني للمزارعين وتوضيح أهمية الممارسات الصحيحة للزراعة وكذا التحول من الري بالغمر الى الري الحديث عبر شبكات التقطير. وكان هدفنا هو رفع إنتاجية المعاد الواحد باستخدام تقنية التوسع الرئسي، وهو ما يقلل الاعتماد على العمل الفردي ويوفر التكلفة على المزارع بنسبة تصل إلى 30 %.”
من جهته، يبين عبدالعزيز عويدان رئيس جمعية القناوص أن تنظيم المزارعين في مجاميع إنتاجية ساهم بشكل كبير في تسهيل دور الجمعية في معرفة متطلبات المزارعين وتوزيع المدخلات. وأضاف أعتمدنا من خلال المجاميع على توفير الميكنة. بدلاً من أن يستأجر كل مزارع حراثة بشكل منفرد، تقوم الجمعية بتنظيم عملية الحراثة للمجاميع بأسعار مدعومة، مما ساهم بشكل مباشر في خفض كلفة التحضير للأرض.”
أما يوسف شرف رئيس جمعية المنصورية، فيؤكد أن: “جودة المحصول هي رهاننا الأول. من خلال ضابط السلسلة، استطعنا توحيد معايير الحصاد والتسويق، مما سيجعل الذرة الرفيعة التهامية منافساً قوياً في الأسواق المحلية من حيث النظافة والقيمة الغذائية.”







