
كيف تصنع سلاسل القيمة الفارق؟
الحسين اليزيدي + إيوب هادي
تُعد سلسلة قيمة للأسماك أحد أهم المداخل التنموية الحديثة لتطوير قطاع الثروة السمكية وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد البحرية، لما تمثله من إطار متكامل يربط بين جميع حلقات الإنتاج والتجهيز والتسويق. وتسهم هذه السلاسل في رفع جودة المنتج السمكي وتقليل الفاقد، بما ينعكس إيجابًا على دخل الصياد واستقرار معيشته.
كما تضمن التوزيع العادل للقيمة المضافة بين مختلف الفاعلين، وتحد من الممارسات التقليدية التي أضعفت القطاع لعقود، وتكتسب سلاسل القيمة أهمية خاصة في حماية المخزون السمكي من الاستنزاف، عبر ترسيخ ممارسات صيد مستدامة تحافظ على البيئة البحرية، وتمثل كذلك مدخلًا لتعزيز التصنيع السمكي وفتح آفاق أوسع للتسويق والتصدير. وبذلك تشكل سلاسل القيمة ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، يوضح وكيل قطاع الثروة السمكية بوزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية الدكتور فوزي الصغير المقصود بسلاسل القيمة في قطاع الثروة السمكية، هي مجمل الأنشطة المتكاملة التي يتم من خلالها الحصول على المنتج السمكي، ابتداءً من إدارة وحماية وتنظيم المخزون السمكي، مرورًا بعمليات الصيد والإنزال والتجهيز، وانتهاءً بالتسويق والتصدير. وتهدف هذه السلاسل إلى ضمان الاستغلال الرشيد للموارد البحرية، بما يحافظ على المخزون السمكي ويمنع استنزافه.
ويؤكد أن هذا النهج يقوم على الالتزام باستخدام مدخلات صيد قانونية ومستدامة، مثل الشباك ذات الفتحات المناسبة التي لا تؤدي إلى اصطياد صغار الأسماك، ومنع استخدام وسائل الصيد المدمرة للبيئة البحرية. كما يشمل ذلك تفضيل القوارب الكبيرة القادرة على الصيد في الأعماق البعيدة، بما يحد من الضغط على مناطق الشعاب المرجانية والأخوار الساحلية التي تُعد مناطق حماية وتكاثر طبيعية للأسماك.
ويبين الدكتور فوزي الصغير أن سلاسل القيمة السمكية تختلف جذريًا عن الأساليب التقليدية المتبعة في إنتاج وتسويق الأسماك، حيث تمثل منهجية تنموية متكاملة ذات أبعاد اجتماعية وبيئية واقتصادية واضحة. ومن أبرز ملامح هذا النهج التوزيع العادل للقيمة المضافة على امتداد السلسلة، بحيث يستفيد منها جميع الفاعلين، مع إعطاء الأولوية للمنتج الأول في السلسلة، وهو الصياد، مشراً إلى أن التوجهات الوطنية، وبتوجيهات من القيادة السياسية، تؤكد على ضرورة حماية الصياد وتمكينه اقتصاديًا، باعتباره الركيزة الأساسية لسلسلة القيمة والذراع الإنتاجي الرئيسي لها، خاصة وأن الصياد ظل لعقود طويلة الحلقة الأضعف والأقل استفادة داخل المنظومة السمكية. وعليه، فإن منهجية سلاسل القيمة المعتمدة في المرحلة الراهنة تجعل من الصياد محورًا رئيسيًا لكافة التدخلات والسياسات.
ويؤكد وكيل قطاع الثروة السمكية أن العمل بسلاسل القيمة لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة ملحّة لتحقيق التنمية المستدامة في القطاع السمكي، لما توفره من قدرة على توظيف جميع الفاعلين ضمن مزايا نسبية وقدرات تنافسية واضحة. وتُعد سلاسل القيمة أساسًا لتعظيم الاستفادة من مدخلات الإنتاج، وتحقيق أعلى إنتاجية ممكنة من وحدة إنتاج واحدة، وزيادة معدلات الإنتاج الرأسي، لا سيما في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة، والتوسع في التصنيع السمكي، وتوطين الصناعات المرتبطة به، ورفع القيمة المضافة للمنتجات السمكية، مضيفاً أن الأسواق ومراكز التجميع تمثل نقطة الارتكاز الأساسية في هذه السلاسل، حيث يتم من خلالها تحقيق التمويل والإمداد والتكامل بين مختلف حلقات سلسلة القيمة، بما يضمن استدامة العملية الإنتاجية والتسويقية.
ويوضح الدكتور فوزي الصغير أن تطبيق سلاسل القيمة السمكية سيسهم بشكل مباشر في تحسين دخل الصياد واستقراره الاقتصادي، من خلال توفير مستلزمات الإنتاج اللازمة، وضمان تصريف المنتج السمكي بأسعار عادلة تحقق أقصى استفادة للصياد. كما ستتيح السلاسل للصياد تسويق إنتاجه عبر أسواق ومراكز تجميع منظمة تُعد جزءًا من السلسلة نفسها، بما يعزز مكانته كشريك حقيقي في العملية الاقتصادية، مضيفاً أن المنهجية الجديدة تركز على فتح أسواق جديدة ونقاط بيع للأسماك في محافظات ومديريات نموذجية، حيث يوجد حاليًا نحو 57 مديرية نموذجية تمتلك وحدات تسويق سمكي، ستكون مخولة بعمليات الإمداد والتسويق، الأمر الذي يسهم في توسيع نطاق التسويق وتحقيق استقرار أكبر للصيادين.
ويشير وكيل قطاع الثروة السمكية إلى أن سلاسل القيمة ستسهم بشكل كبير في تقليل الفاقد وتحسين جودة الأسماك، نتيجة التكامل والترابط بين جميع حلقات السلسلة، وتسريع عملية نقل المنتج بعد الاصطياد. ويشمل ذلك توفير وسائل الحفظ المناسبة، مثل الثلج والبرادات الكبيرة، ووسائل النقل المجهزة بثلاجات، إضافة إلى حماية الأسماك من التعرض المباشر لأشعة الشمس سواء على القوارب أو في مراكز الإنزال، مؤكداً أن هذه الإجراءات ستحد من تلف الأسماك أو وصولها بحالة سيئة لا يمكن الاستفادة منها أو إدخال قيمة مضافة عليها، ما ينعكس إيجابًا على جودة المنتج النهائي وقدرته التنافسية.
ويقول إن سلاسل القيمة ستفتح آفاقًا جديدة للتصدير والاستثمار، خاصة في حال وصول الأسماك إلى مراكز الإنزال بجودة عالية وأحجام مناسبة. وأوضح أن ذلك سيشجع رؤوس الأموال الوطنية على الاستثمار في هذا المجال، مستذكرًا أن عدد شركات تصدير الأسماك في اليمن وصل في إحدى المراحل إلى نحو 40 شركة، حصل العديد منها على شهادات الجودة وأن الصادرات السمكية اليمنية وصلت إلى أكثر من 50 دولة حول العالم، ما يعكس الإمكانات الكبيرة للقطاع في حال تطبيق منهجية سلاسل القيمة بشكل متكامل ومستدام.
دور قطاع التسويق
وعلى صعيد متصل، يوضح محسن عاطف، وكيل وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية لقطاع التسويق، أن قطاع التسويق السمكي اضطلع بدور محوري في تعزيز سلاسل القيمة للأسماك، بدءًا من تقييم الوضع الراهن للتسويق السمكي، بما يشمل أوضاع الأسواق السمكية، والصادرات، والوكلاء، ومراكز الإنزال، وصولًا إلى تطوير الأطر التنظيمية والتقنية للعملية التسويقية، مشيراً إلى أنه، استكمالًا للجهود التي قادها الشهيد الدكتور رضوان الرباعي، تم أتمتة جميع الإجراءات المرتبطة بالقطاع السمكي بنسبة 100 %، بما في ذلك تراخيص الصيد، وإجراءات النقل، وتراخيص التصدير، وكافة المعاملات التي تتطلبها العملية التسويقية للأسماك. وقد أسهم ذلك في تبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، والحد من الاجتهادات الفردية، حيث أصبحت جميع العمليات تمر عبر آليات منظمة ومحددة.
وفي جانب تنظيم الأسواق والرقابة على المنتجات السمكية، شدد وكيل قطاع التسويق على أهمية تعزيز الرقابة المستمرة، من خلال تنفيذ برامج تفتيش منتظمة، وتطبيق أنظمة التحصيل الإلكتروني، وتوثيق المخالفات إلكترونيًا، بما يضمن انضباط الأسواق وحماية المستهلك وجودة المنتج.
وحول التحديات التي يواجهها الصيادون، لا سيما ما يتعلق بمشكلات التسويق وهيمنة بعض الوسطاء والدلالين، أشار عاطف إلى أن واقع التسويق السمكي يواجه معوقات كبيرة ناتجة عن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، بما في ذلك العدوان والحصار، وما ترتب عليه من إغلاق العديد من منافذ التصدير إلى دول الجوار، الأمر الذي أدى إلى تراجع الأداء التسويقي.
وفي هذا الإطار، تعمل الوزارة على البحث عن بدائل تصديرية والوصول إلى أسواق جديدة، بالتوازي مع معالجة حالات الركود النسبي في الطلب. وأكد أن موسم الشتاء يشهد حاليًا ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على الأسماك، إلى جانب توسع كبير في النشاط التسويقي من خلال إنشاء أسواق جديدة، ومراكز بيع، ومحلات ومطاعم متخصصة.
كما يشير إلى بروز دور رواد الأعمال والشركات المحلية، حيث تم افتتاح المئات من المشاريع الجديدة التي أسهمت في نشر ثقافة استهلاك الأسماك في أمانة العاصمة والمحافظات، ما انعكس في توسع ملحوظ للتسويق داخل المدن وتعزيز الطلب على المنتج المحلي. وقد صاحب ذلك دخول أصناف سمكية جديدة، وتطور في أنماط العرض والتغذية المرتبطة بالأسماك، الأمر الذي زاد من تفضيل المستهلكين لهذه المنتجات.
وعن الخطط المستقبلية ضمن سلاسل القيمة للأسماك ضمن إطار تطوير سلاسل القيمة، يشير وكيل الوزارة إلى عدد من الخطط والجهود الاستراتيجية، منها تجهيز وتطوير البنية التحتية لمراكز الإنزال السمكي، وإنشاء نقاط بيع مباشرة للمنتج السمكي، بالإضافة إلى تعزيز التبادل التجاري بين الجمعيات السمكية، وإنشاء نقاط بيع تابعة للجمعيات المسوقة داخل المدن، كما نسعى لتفعيل الصيد التعاقدي مع الصيادين ضمن برامج التسويق المستدام، حيث يجري العمل على إعداد برنامج متكامل للصيد التعاقدي يضمن استقرار الدخل للصياد وتحسين كفاءة التسويق، والتوسع في إنشاء نقاط بيع للأسماك في مختلف المحافظات.
وفيما يتعلق بتطوير أنماط الاستهلاك، أوضح أن هناك توجهًا نحو تعزيز استهلاك الأسماك المجمدة، حيث تبذل شركة سهول اليمن جهودًا في نشر ثقافة السمك المجمد داخل الأسواق والمحلات التجارية. ويُعد هذا التوجه خطوة مهمة نحو تحسين جودة المنتج، وإتاحة فرص التخزين، والمساهمة في تقليل الفاقد، بما يعزز من كفاءة سلسلة القيمة للأسماك.
دور جمعية ساحل تهامة
من جانبه يوضح عبدالسلام قعيشي ، الأمين العام لجمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية، أن الجمعية تؤدي دورًا محوريًا في دعم وتطوير سلاسل القيمة للأسماك في مناطق الساحل التهامي، من خلال تدخلات متكاملة تستهدف مختلف مراحل السلسلة، بدءًا من مدخلات الإنتاج، مرورًا بمرحلة الصيد والإنتاج، ثم الإنزال والتجهيز، وانتهاءً بمرحلة التسويق، بما ينعكس إيجابًا على تحسين أوضاع الصيادين وتعزيز كفاءة القطاع السمكي.
أولًا: التدخل في مدخلات الإنتاج:
يشير الأمين العام إلى أن الجمعية تعمل في مرحلة مدخلات الإنتاج على توفير المستلزمات الأساسية المرتبطة بعمليات الصيد، بما في ذلك أدوات ومعدات الصيد، وبعض المواد المساندة اللازمة لرحلات الصيد. كما تسعى الجمعية إلى معالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه الصيادين والمتمثلة في ضعف التمويل، من خلال التنسيق مع الجهات ذات العلاقة لتوفير قروض ميسّرة وتمويلات تشغيلية تساعد الصيادين على تغطية تكاليف الرحلات البحرية وتحسين قدرتهم الإنتاجية، بما يضمن استمرارية النشاط السمكي.
ثانيًا: دور الجمعية في سلسلة الإنتاج السمكي
وفي مرحلة الإنتاج، يؤكد عبدالسلام قعيشي أن الجمعية تعتمد على شبكة من المرشدين السمكيين لتنفيذ برامج إرشادية وتوعوية تستهدف الصيادين، وتركّز على تحسين ممارسات الصيد ورفع كفاءة الأداء، بما يسهم في تحقيق صيد أكثر استدامة وجودة أعلى للمنتج. كما تنفذ الجمعية حملات توعوية دورية لتعريف الصيادين بأفضل الأساليب الفنية، وتشجيعهم على الالتزام بالممارسات التي تقلل من الهدر وتحافظ على الموارد البحرية.
ثالثًا: تنظيم مراكز إنزال الأسماك
وفيما يتعلق بمرحلة الإنزال، أوضح الأمين العام أن الجمعية تتدخل بشكل مباشر في تنظيم العمل داخل مراكز إنزال الأسماك المتعاقدة معها، حيث تعمل على مساندة الصيادين أثناء عملية الإنزال، وتحسين آليات التعامل مع المنتج السمكي فور وصوله من البحر. وتشمل هذه التدخلات تنظيم عمليات الفرز حسب الوزن والجودة، وتحسين أساليب التداول الأولي للأسماك، بما يضمن الحفاظ على جودتها وتقليل الفاقد.
ويضيف أن الجمعية تعمل مع مئات الصيادين المنتسبين إليها في مناطق تهامة، وتدير نشاطها عبر عدد من مراكز الإنزال، سواء في السواحل أو في بعض المناطق الجبلية المرتبطة بالنشاط السمكي، الأمر الذي يعزز من كفاءة السلسلة ويقرب الخدمات من الصيادين.
رابعًا: التجهيز والتبريد والتخزين
ويشير عبدالسلام قعيشي إلى أن الجمعية تولي اهتمامًا خاصًا بمرحلة التجهيز والتخزين، حيث تستثمر الإنتاج السمكي الوارد من الصيادين من خلال تجميعه والعمل على تبريده أو تجميده وفق الإمكانيات المتاحة، بما يساعد على إطالة عمر المنتج والحفاظ على جودته. وفي هذا الإطار، تؤدي الجمعية دور الوسيط المنظم بين الصيادين والأسواق، بما يقلل من الاعتماد على الوسطاء غير المنظمين، ويمنح الصيادين فرصة أفضل لتسويق منتجاتهم بأسعار أكثر عدالة.
خامسًا: دور الجمعية في التسويق السمكي:
وفي جانب التسويق، يؤكد الأمين العام أن الجمعية تسعى إلى تنظيم عملية تسويق الأسماك، لا سيما في الموانئ والأسواق الرئيسية، من خلال التنسيق مع الجهات الرسمية والقطاع الخاص، والعمل على تطوير آليات تسويقية تقلل من هيمنة الوسطاء والدلالين على السوق السمكي. كما تعمل الجمعية على نقل الأسماك من الصيادين مباشرة إلى المشترين أو نقاط البيع، بما يحقق توازنًا أفضل في سلسلة القيمة، ويعزز وصول المنتج إلى المستهلك بجودة مناسبة وسعر عادل.
ويوضح عبدالسلام قعيشي أن الجمعية تواجه عددًا من التحديات، أبرزها ضعف الإمكانيات التمويلية، ومحدودية البنية التحتية في بعض مراكز الإنزال، إلى جانب الظروف العامة التي تؤثر على حركة التسويق. ورغم ذلك، تسعى الجمعية إلى التوسع في تدخلاتها، وتنفيذ مشاريع تطويرية مستقبلية تستهدف تحسين سلسلة القيمة السمكية بشكل شامل، وتعزيز دور الصيادين كعنصر أساسي في هذه السلسلة.
وتمثل جمعية ساحل تهامة نموذجًا فاعلًا للعمل التعاوني في القطاع السمكي، حيث تسهم تدخلاتها المتعددة في ربط حلقات سلسلة القيمة للأسماك، من المدخلات والإنتاج، مرورًا بالإنزال والتجهيز، وصولًا إلى التسويق، بما يدعم استدامة النشاط السمكي، ويحسن دخل الصيادين، ويسهم في تعزيز الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية المحلية في مناطق الساحل التهامي.
وعي الصياد
وفي السياق يوضح المهندس صلاح ثابت، مدير الإرشاد السمكي بالهيئة العامة للمصائد السمكية، أن تطوير سلاسل القيمة للأسماك يبدأ من إحداث تحول جوهري في وعي الصياد، والانتقال به من التعامل مع السمك كصيد يومي سريع التصريف، إلى اعتباره منتجًا استثماريًا عالي القيمة. وأكد أن الهيئة تعمل على ترسيخ هذا المفهوم من خلال برامج إرشادية تستهدف تغيير السلوكيات التقليدية، باعتبار أن السمكة منذ لحظة خروجها من الماء تُعد سلعة حساسة تتراجع قيمتها الاقتصادية مع كل دقيقة إهمال.
ويبيّن ثابت أن الحفاظ على مؤشرات الجودة الأولية، مثل لمعان العيون وتماسك القوام، يمثل أحد أهم عناصر رفع القيمة المضافة للمنتج السمكي، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين دخل الصياد وتعزيز القدرة التنافسية للأسماك في الأسواق المحلية والخارجية. وأشار إلى أن الممارسات الخاطئة في مواقع الإنزال، وعلى رأسها تكدس الأسماك وسوء استخدام الثلج، تُعد من أبرز أسباب تدهور الجودة، إذ تسهم في تنشيط البكتيريا وفقدان المنتج لقيمته الجمالية والغذائية، الأمر الذي يؤدي إلى تصنيف الصادرات السمكية اليمنية ضمن درجات أقل في الأسواق الدولية.
ويؤكد مدير الإرشاد السمكي أن المستهلك يمثل عنصرًا محوريًا في منظومة سلسلة القيمة، حيث يشكل وعيه ورفضه للمنتج الرديء ما يمكن تسميته بـ “الرقابة المجتمعية”، التي تدفع الصيادين والتجار إلى الالتزام بمعايير الجودة وتحسين طرق التداول، بما ينعكس إيجابًا على سلامة المنتج واستدامة السوق.
وفيما يتعلق بالدور المباشر للإرشاد السمكي، أوضح المهندس صلاح ثابت أن الإرشاد يمثل العمود الفقري لعملية التغيير في سلسلة القيمة، كونه حلقة الوصل بين الأبحاث العلمية والتطبيق الميداني، مضيفاً أن دور الإرشاد لا يقتصر على تقديم التوصيات النظرية، بل يمتد إلى العمل الميداني المباشر من خلال التدريب في مواقع الإنزال، وعرض نماذج نجاح عملية تسهم في تغيير السلوكيات المتوارثة، وتعزيز مفاهيم القيمة المضافة عبر الاستخدام السليم للثلج المجروش، وتحسين التهوية، وحماية الأسماك أثناء التداول، بما يسهم في تحويل المصيد اليومي إلى منتج عالي الجودة يضمن زيادة دخل الصياد وتوفير غذاء آمن للمستهلك.
من جانبه، يوضح المهندس غانم صالح حميد التركي، مساعد ضابط سلسلة الثروة السمكية والاحياء البحرية، أن التحديات الرئيسة التي تواجه القطاع السمكي تتمثل في الاختلالات الهيكلية في مسار تداول الأسماك من القارب إلى المستهلك، لا سيما في مراحل ما بعد الإنزال. وأشار إلى أن غياب البيئة المناسبة للتبريد والحفظ خلال عمليات الفرز والنقل والتسويق يؤدي إلى تعرض الأسماك للتلف والكدمات، ما يتسبب في فقدان جزء كبير من قيمتها الاقتصادية.
ويبيّن التركي أن سلسلة التوريد التقليدية تعاني من عدم التوازن، حيث تميل إلى تضخيم أرباح بعض الحلقات، خصوصًا الوسطاء والمسوقين، على حساب الصياد والمستهلك، مؤكدًا أن البديل العادل يتمثل في تطبيق منهجية سلاسل القيمة، التي تضمن توزيعًا منصفًا للعائدات وتعظيم الاستفادة من المنتج السمكي، مؤكداً أن تحقيق الجودة يتطلب الالتزام الصارم بمعايير فنية واضحة، تشمل استخدام وسائل تعبئة غير قابلة للصدأ، والالتزام بنسبة مناسبة من الثلج لا تقل عن 1.5 كيلوجرام لكل كيلوجرام من السمك، إضافة إلى النقل في وسائل مبردة بدرجات حرارة مضبوطة للأسماك المبردة والمجمدة.
وفي سياق الدور التنظيمي والرقابي، أشار المهندس غانم التركي إلى أن العمل يتم وفق منهجية متكاملة تقوم على التنظيم والحماية والرعاية، وبالتنسيق مع مختلف الجهات ذات العلاقة، بما في ذلك هيئات الأبحاث والمصائد والاتحادات السمكية. وأوضح أن الجهود تبدأ من حماية البيئة البحرية من الصيد الجائر والاستنزاف، واستبدال الشباك المخالفة بأخرى قانونية تسمح بخروج صغار الأسماك، وصولًا إلى تنظيم عملية التسويق عبر إنشاء نقاط تجميع سمكية نموذجية وفتح نقاط بيع جديدة تضمن وصول السمك الوطني إلى المستهلك بجودة عالية وأسعار عادلة، وتعزز دوره كبديل آمن ومستدام للمنتجات المستوردة.








