إرشاداتصحافة

تهامة تقود ثورة “سلسلة القيمة”

قطاع الدواجن من التربية التقليدية إلى السيادة الغذائية

تتحول الكثير من ساحات تهامة الذهبية اليوم إلى حاضنة لأكبر مشروع وطني يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع الدواجن.
هذا يأتي وفق جهود تنظيمية ضمن “برنامج سلسلة القيمة”، وهو تحول جذري يقوده تحالف استراتيجي بين الاتحاد التعاوني الزراعي، والجمعيات التعاونية، والمجاميع الإنتاجية، وبدعم من وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، ويهدف إلى إنهاء عقود من التبعية للمنتج المستورد وتحويل تهامة إلى “سلة غذاء” حقيقية تؤمن مائدة المواطن اليمني.
وفي خطوة تعكس التوجه الرسمي نحو تنظيم قطاع الإنتاج الحيواني، يؤكد مسؤول الاتحاد التعاوني الزراعي بمحافظة الحديدة محمد عبيد دين أن ما يحدث في الحديدة هي “ثورة تنظيمية” تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية المنتج المحلي والمستهلك على حد سواء.
ويضيف في تصريح خاص لصحيفة اليمن الزراعية أن الرؤية التي نتحرك من خلالها في تهامة ترتكز على كسر الهيمنة الأجنبية على سوق الدواجن، مشيراً إلى أن السوق اليمني ظل لسنوات رهينة للمنتج المستورد الذي يفتقر للكثير من معايير الجودة والذبح الإسلامي الصحيح مقارنة بالبلدي، واليوم، نعلن أن استراتيجية ‘التجميد والتبريد هي حجر الزاوية في مشروع إحلال الواردات”.
ويواصل: “في الحديدة، نجحنا في الانتقال من العشوائية إلى التنظيم، فالدجاج الحي سلعة شديدة الحساسية، وأي فائض في الإنتاج كان سابقاً يؤدي إلى انهيار الأسعار وخسارة المزارع، أما اليوم، فإن تفعيل المسالخ المركزية وتحويل الفائض إلى دجاج ‘مجمد ومبرد’ محلي، يعمل كخزان استراتيجي يمتص صدمات السوق، معتبراً هذا التوجه مكن من توفير منتج محلي طازج ومجمد ينافس المستورد في السعر ويتفوق عليه في الجودة والضمانة الصحية”.
ويشير عبيد إلى أن الاتحاد، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، يعمل على تعميم تجربة “البيع بالوزن” بدلاً من البيع بالرأس لضمان العدالة السعرية، مؤكداً أن محافظة الحديدة باتت اليوم تمثل النموذج الأول في تطبيق “سلسلة القيمة” المتكاملة، حيث يتم التحكم في المدخلات (كتاكيت وأعلاف) وصولاً إلى المخرجات (دجاج مبرد ومجمد) عبر كيانات تعاونية قوية.
سلسلة القيمة: كيف تخلصت تهامة من مخالب “الوسطاء”؟
ولسنوات طويلة، كان المزارع التهامي يقع فريسة للوسطاء الذين يتحكمون في الأسعار صعوداً وهبوطاً.
ويكشف أن نظام “المجاميع الإنتاجية” استطاع تقليص الحلقات الوسيطة بنسبة كبيرة عبر الربط المباشر بين المربي والجمعية والمسلخ والمشاركات الكبرى للدواجن، حيث انخفضت التكاليف اللوجستية، مما انعكس إيجاباً على سعر البيع النهائي وحافظ على استقراره، لافتاً إلى أن الهدف الاستراتيجي الذي تسعى له محافظة الحديدة هو الوصول إلى اكتفاء ذاتي كامل.
الجمعيات التعاونية.. قاطرة البناء والتسويق
وتعد الجمعيات التعاونية في مديريات (باجل، الزهرة، المراوعة وغيرها من المديريات النموذجية) هي “المايسترو” الذي يدير هذه الدائرة الإنتاجية، ففي مديرية باجل، يوضح عبدالله فقيه، مسؤول وحدة الدواجن بالجمعية، أن الجمعية أصبحت شريكاً في الإنتاج، حيث توفر الدعم الفني وتضمن للمربي تسويق إنتاجه قبل أن يخرج من الهنجر.
ويضيف أن السوق بدأ يلمس الفرق؛ فنحن قبل أن نكون نسوق دجاجاً فإننا نسوق ‘ثقة’، وقد مكنتنا المجاميع من توفير كميات مستدامة للمسالخ بأسعار منافسة وقد بلغ إجمالي ما تم إنتاجه من الدجاج المجمد خلال الشهرين الماضيين ما يقارب 250 ألف دجاجة بمعدل 4000 دجاجة يومياً”.
أما في مديرية الزهرة، فيشير إبراهيم الرفاعي مسؤول وحدة الدواجن بالجمعية إلى أن تجربة “الشراء الجماعي” للمدخلات كانت الضربة القاضية للاحتكار، موضحاً أن المربين الآن يحصلون على الأعلاف والكتاكيت بأسعار المصنع، مما خفض كلفة الإنتاج بنسبة تصل إلى 20%، وهذا يمنح المنتج المحلي قدرة تنافسية هائلة أمام المنتج الخارجي، مؤكداً أنه في مديرية الزهرة “بدأنا فعلياً بتسويق الدجاج المبرد على مستوى المديرية والمديريات المجاورة كالقناوص والزيدية بمنتج يضاهي أرقى المعايير”.
وفي المراوعة، يوضح مسؤول وحدة الدواجن بجمعية الاكتفاء محمد أبكر دحية أن الفرص تكمن في التكامل، حيث تعمل الجمعية كجسر يضمن تصريف الإنتاج دون تكدس”، كاشفاً عن تجاوز التحديات بقوله: “استطعنا خلق قنوات مباشرة مع كبار الشركات كالحمادي والمخلافي، وغيرها من الشركات لضمان حصول المربين على أسعار عادلة، ونحن بصدد إنشاء مسلخ نموذجي متكامل في المراوعة و نريد أن يجد المواطن في المحلات دجاجاً مجمداً يحمل اسم ‘مزارع المراوعة’ وبمواصفات عالمية”.
من الخوف من الخسارة إلى الطموح في التوسع
وفي جولة ميدانية بين المزارع، التقينا بعدد من المربين الذين عبروا عن ارتياحهم لهذا المسار الجديد.
ويقول المربي يحيى قاسم: “كنا نربي الدجاج وقلوبنا على أيدينا، خوفاً من تلاعب التجار بالأسعار عند اكتمال الدورة الإنتاجية، واليوم، نحن نربي ونحن نعلم أن هناك جمعية واتحاداً يحمينا ويضمن لنا سعراً عادلاً”.
أما المربي علي هادي، فيرى أن التوجه نحو التبريد والتجميد هو “طوق نجاة” للمربين الصغار، مضيفاً: “عندما تتوفر مسالخ تستقبل إنتاجنا وتحوله إلى دجاج مبرد، يختفي الخوف من تكدس الدجاج في المزارع وموته، وهذا شجعنا على زيادة عدد الطيور في الدورة الواحدة”.
ومن جانبه، يسرد المربي محمد جزيلان قصة نجاحه بعد الانضمام لجمعية الاكتفاء قائلاً: “بعد خسائر متتالية بسبب تقلبات السوق، وجدت في العمل التعاوني الأمان، و الالتزام بالعقود الزراعية جعل استثماري مستقراً، واليوم أفكر جدياً في بناء هناجر جديدة بنظام التربية الحديثة”.
لماذا الدجاج التهامي هو الأفضل؟
من الناحية الفنية، يؤكد المختص البيطري الدكتور عصام المقطري أن تنظيم المربين في مجاميع إنتاجية سمح بفرض رقابة صحية صارمة.
ويقول: “من خلال سلسلة القيمة، نضمن أن الدواجن التي تصل للمستهلك خالية من متبقيات الأدوية والمضادات الحيوية، كما أن المنتج التهامي يتميز بأنه طازج عالياً؛ نظراً لقرب المسافة بين المزرعة والمستهلك، كما أن عملية الذبح في المسالخ المركزية تتم وفق الشريعة الإسلامية وبإشراف مباشر، وهو ما يفتقده الدجاج المستورد الذي يأتي من آلاف الأميال”.
نحو مركز إقليمي لصناعة الدواجن
إن ما تشهده الحديدة اليوم ليس طفرة عابرة، بل هو بناء مؤسسي متين، فالربط بين “المجاميع الإنتاجية” و”الجمعيات” و”الاتحاد التعاوني” يخلق دائرة اقتصادية مغلقة تعيد تدوير رأس المال داخل البلاد.
وتظهر المؤشرات أن محافظة الحديدة، بفضل هذا التحول، قادرة على تغطية احتياجات السوق اليمني بنسبة كبيرة جداً خلال العامين القادمين، وأن إحلال المنتج المحلي بدلاً من المستورد هو واقع ملموس يعزز من “السيادة الغذائية” ويقلل من استنزاف العملة الصعبة.
لقد أثبت الإنسان التهامي أنه قادر على التحدي، وأن “سلسلة القيمة” هي المفتاح السحري لتحويل الزراعة والتربية من مهن شاقة إلى استثمارات رابحة. ومع استمرار دعم القيادة لهذا القطاع، يظل الدجاج التهامي “سفير الجودة” الذي سينعش المائدة اليمنية ويعيد للاقتصاد المحلي حيويته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى