
كيف تصنع “تهامة” فجر اليمن الزراعي من ركام الحرب؟
لم تكن الحرب والحصار على اليمن مواجهةً عسكريةً فحسب، بل تمثل معركة تستهدف “قوت المواطنين” عبر حصار اقتصادي خانق. ومع ذلك، يبرز نموذج تهامة كحالة استثنائية للصمود، حيث تتحول التحديات إلى فرص، وينتقل القطاع الزراعي نحو الاعتماد على الذات، لتؤكد تهامة حضورها كسلة غذاء اليمن وخط دفاعه الأول ضد التجويع.
وتتحول من هدف لغارات العدوان إلى جبهة إنتاجية عصية على الانكسار، في مشهد يعكس قدرة المجتمع على مواجهة مخططات المجاعة عبر استراتيجيات علمية ومبادرات منظمة.
ركائز الصمود السيادي
وفي هذا السياق، يؤكد مطهر يحيى الهادي، رئيس اللجنة الزراعية والسمكية بمحافظة الحديدة، أن سر الصمود يكمن في ثلاث ركائز: الإيمان بالأرض كجبهة سيادية، حيث يستشعر المزارع أن التمسك بأرضه يمثل واجباً وطنياً، والتحول من “الزراعة التقليدية” إلى “زراعة الصمود” لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويضيف أن المبادرات المجتمعية تمثل ركيزة أساسية، إذ يتحرك المجتمع لإصلاح ما يدمره العدوان دون انتظار تدخل خارجي، إلى جانب الارتباط بالهوية الإيمانية التي تعزز الثقة بقدرة الأرض على العطاء وتفشل مخططات التجويع.
الرؤية الوطنية.. من الشتات إلى التنظيم
ويشير الهادي إلى أن الرؤية الوطنية تمثل خارطة طريق لتنظيم القطاع الزراعي، عبر توطين المحاصيل الاستراتيجية كالحبوب والبقوليات والقطن والحليب، وتفعيل الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض وتنظيم “المجاميع الإنتاجية”، بما يسهم في تسهيل وصول الدعم وكسر الاحتكار.
كما يلفت إلى التوسع في إدارة الموارد المائية، وتبني تقنيات الري الحديثة وحصاد مياه الأمطار، إلى جانب مشاريع استصلاح الأراضي، والتوسع في زراعة النخيل، وتوطين البذور، ومشاريع التمكين الاقتصادي، بما يعزز صمود القطاع في مواجهة الحصار.
من الدفاع إلى الهجوم التنموي
ويرى المهندس فواز العذري، مدير عام الهيئة العامة لتطوير تهامة، أن الصمود الزراعي يتحول من مجرد الاستمرار إلى “الهجوم التنموي”، موضحاً أن استهداف المنشآت والمعدات يهدف إلى تعطيل الإنتاج، إلا أن ذلك يتحول إلى دافع لإعادة البناء واستمرار الإنتاج رغم التحديات.
ويوضح العذري أن التدمير طال أكثر من 42 منشأة ومبنى إداري وفني، شملت المكاتب الرئيسية في الحديدة والمناطق الوسطى والجنوبية ووادي سهام. كما استهدف العدوان 15 مركزاً إرشادياً ومختبراً زراعياً وفنياً، كانت تعتمد عليها الهيئة في فحص التربة والبذور وتوجيه المزارعين، مما يوضح نية العدوان في تعطيل البحث العلمي الزراعي وتجهيل المزارع. ويضيف العذري أن الآليات والمعدات الثقيلة التابعة للهيئة، مثل الشيولات والبردوزرات والبوكيلنات وسيارات النقل والصيانة المتنقلة، بالإضافة إلى سيارات العيادات البيطرية المتنقلة، كانت مدمرة أو متوقفة، وهي المعدات نفسها التي تُستخدم في صيانة القنوات والعقوم.
ويؤكد أن التحول الجوهري يتمثل في الانتقال من الاعتماد على الخارج إلى الإنتاج الوطني، ومن استنزاف المياه الجوفية إلى تعظيم حصاد مياه السيول في أودية زبيد ورماع وسهام ومور، مع إشراك المزارعين في التخطيط عبر الجمعيات والمبادرات المجتمعية.
استراتيجية فنية لمواجهة المتغيرات المناخية
ويكشف العذري عن اعتماد معايير هندسية مرنة تراعي المتغيرات المناخية، من خلال منشآت ترابية وجابيونية قادرة على استيعاب السيول، مع تحقيق العدالة في توزيع المياه. كما يشير إلى نجاح مشروع الري الطارئ لعام 2022م في إيصال المياه إلى نحو 120,000 هكتار خارج نطاق الري.
تهامة.. بنك المياه ومخزن الغذاء
ويؤكد أن المنشآت المائية تعمل كـ”بنك للمياه” عبر تعزيز تغذية المخزون الجوفي وتقليل الاعتماد على الآبار، بما يسهم في خفض التكاليف وضمان استدامة الموارد.
مؤسسة بنيان: المجتمع هو القائد والمبادر
من جانبه، يوضح سالم ساجد الأهدل، مسؤول مؤسسة بنيان التنموية بمحافظة الحديدة، أن المؤسسة تعمل وفق مبدأ “التحفيز لا الوصاية”، مؤكداً أن المجتمع التهامي يقود المبادرات بنفسه.
ويشير إلى “ثورة العقوم والقنوات”، حيث يتحرك المزارعون لصيانة قنوات الري بجهود ذاتية، مما يضمن تدفق المياه لآلاف الفدادين، إلى جانب مبادرات “فرسان التنمية” التي تسهم في استصلاح الأراضي المتروكة وتعزيز التكافل الزراعي، فضلاً عن ترميم الحواجز المائية بمساهمات مجتمعية.
نهضة قطاع الألبان وتحقيق الأمن الغذائي
وفي قطاع الألبان، يوضح خالد الشاحذي، ضابط سلسلة القيمة، أن الإنتاج اليومي يرتفع من 16,470 لتراً إلى 157,000 لتر يومياً بنهاية 2025، مع زيادة الجمعيات من 3 إلى 16 جمعية.
ويشير إلى أن هذا النمو يسهم في خفض الاستيراد بنسبة 4.93%، وتوفير نحو 18.9 مليون دولار سنوياً، إضافة إلى دعم يتجاوز 8.8 مليار ريال، واستفادة أكثر من 104,418 مستفيداً، منهم أكثر من 17 ألفاً في الإنتاج والنقل.
كما يلفت إلى تطوير مراكز التجميع، وتوفير 27 وسيلة نقل مبردة، و10 عيادات بيطرية، بما يعزز استقرار الإنتاج.
التحيتا.. نموذج للتحول الاستراتيجي والتسويقي
من جانبه، يؤكد أحمد القادري، المدير التنفيذي لجمعية البلدة الطيبة التعاونية بمديرية التحيتا، أن المديرية تشهد تحولاً نحو الإنتاج الاستراتيجي، من خلال مشاريع الري الحديث، والتوسع في زراعة الحبوب، وإنشاء المشاتل، وتوفير الميكنة الزراعية.
ويوضح أن الجمعية تعتمد الزراعة التعاقدية لضمان تسويق المحاصيل بأسعار عادلة، إلى جانب إنشاء مراكز للفرز والتعبئة، مما يسهم في رفع القيمة السوقية وخلق فرص عمل.
صوت الأرض: ماذا يقول المزارعون؟
وتجسيداً لهذا الصمود، يتحدث المزارعون بلسان الفخر والثبات. يقول المزارع يحيى جابر (من أبناء وادي زبيد):
“كنا في السابق ننتظر الديزل والبذور المستوردة لشهور، وعندما جاءت الحرب ظنوا أننا سنموت جوعاً. اليوم، وبفضل الله ثم توجيهات القيادة، نزرع أرضنا بالطاقة الشمسية وبذورنا من إنتاجنا، ونشعر أن كل حبة ذرة نزرعها هي رصاصة في صدر الحصار.”
أما المزارع عبده فتيني (منتج ألبان في المراوعة) فيقول:
“كان الحليب يفسد في أيدينا لعدم وجود تسويق، والآن، بفضل الجمعيات التعاونية ومراكز التجميع، أصبح لدينا دخل مستمر وكرامة في العمل. لم نعد ننتظر دعماً، بل نعتمد على سواعدنا لتغذية أطفالنا وشعبنا.”




