
تُعدّ الثروة السمكية من أهم الموارد الطبيعية المتجددة التي يعتمد عليها الإنسان كمصدر رئيسي للغذاء والدخل، لا سيما في الدول الساحلية التي تشكّل البحار فيها ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. إلا أن هذا المورد الحيوي يواجه اليوم تحديات كبيرة نتيجة الصيد الجائر، وعدم الالتزام بالمواسم المحددة، واستخدام وسائل صيد غير قانونية، الأمر الذي يستدعي ضرورة تنظيم مواسم الصيد السمكي كإجراء أساسي للحفاظ على استدامة المخزون السمكي.
إن تنظيم مواسم الصيد يقوم على أسس علمية دقيقة، حيث تُحدَّد الفترات المسموح فيها بالصيد بناءً على دورات التكاثر والنمو للأسماك والكائنات البحرية. وخلال مواسم الإغلاق، تُمنح الأسماك فرصة طبيعية للتكاثر ووضع البيوض ونمو اليرقات، مما يساهم في تجديد المخزون السمكي وضمان استمراريته للأجيال القادمة. ويُعدّ تجاهل هذه المواسم أحد أبرز أسباب تراجع الكميات المصادة وانقراض بعض الأنواع البحرية.
كما يسهم تنظيم مواسم الصيد في تحقيق التوازن البيئي داخل النظم البحرية؛ إذ إن الإفراط في صيد نوع معين قد يؤدي إلى اختلال السلسلة الغذائية، وانعكاسات سلبية على باقي الكائنات البحرية والشعاب المرجانية. ومن هنا فإن الالتزام بالمواسم المحددة يحافظ على التنوع الحيوي ويعزز صحة البيئة البحرية بشكل عام.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ينعكس تنظيم الصيد إيجابًا على دخل الصيادين واستقرار السوق السمكي. فعندما يُدار الصيد بصورة مستدامة، ترتفع أحجام الأسماك وجودتها، ما يؤدي إلى تحسين العائد الاقتصادي وتقليل الخسائر الناتجة عن ندرة الأسماك أو تقلب الأسعار. كما يفتح ذلك المجال أمام تطوير الصناعات المرتبطة بالقطاع السمكي، مثل التصنيع والتصدير.
ولا يقل الجانب الاجتماعي أهمية عن غيره، إذ يضمن تنظيم مواسم الصيد استمرارية مهنة الصيد كمصدر رزق رئيسي لآلاف الأسر، ويحدّ من النزاعات بين الصيادين، ويعزز ثقافة الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة لهذا القطاع الحيوي.
وفي الختام، فإن تنظيم مواسم الصيد السمكي ليس ترفًا إداريًا، بل هو ضرورة وطنية وبيئية واقتصادية تفرضها مسؤولية الحفاظ على الثروة البحرية. ويتطلب ذلك تضافر جهود الجهات الرسمية، والباحثين، والصيادين، والمجتمع المحلي، من أجل الالتزام بالتعليمات الصادرة، ونشر الوعي بأهمية الصيد المسؤول، بما يضمن بحرًا غنيًا وثروة سمكية مستدامة اليوم وغدًا.




