
سنابل ذهبية في قبضة العشوائية
بينما ترسم مزارع تهامة لوحةً زاهية من “الاكتفاء الذاتي” بسنابل الذرة والدخن وفول الصويا التي تعانق السماء، تصطدم هذه الطموحات الوطنية بواقع مرير يقف حائلًا عند عتبات الأسواق الشعبية المتهالكة.
هنا في قلب هذه الأسواق حيث يُباع “قوت اليمنيين” ومصدر أمنهم الغذائي، تغيب المعايير الصارمة وتنتعش فوضى العشوائية التي تلتهم عرق الفلاح.
ويثار هنا تساؤل من قبل الكثيرين: لماذا لا تتحول “أسواق الحبوب” إلى مؤسسة اقتصادية منظمة تحمي المنتج الوطني حتى الآن؟ وأين هو دور هيئة تطوير تهامة؟
ويشير عدد من المزارعين والتجار إلى أنهم يعملون بلا خدمات وهم مستعدون لدفع رسوم مقابل وجود سوق مركزي نظيف بمختبرات جودة تضمن لهم بضاعة صالحة للتصدير بدل المخاطرة في أسواق مكشوفة، كما يقول المزراع…..”
من جهته يقول المزارع حسن جرباش: “المحصول أمانة في يد الوسطاء، ونزرع بعرق الجبين، وبمجرد وصولنا للسوق تنتهي سيطرتنا، فالسماسرة يحددون السعر في لحظة، ونبيع بالبركة لغياب المخازن والموازين.”
أما المزارع يحيى عبيد فيقول: “النظافة ضائعة؛ والحبوب تُفرش على التراب، وهذا يمنح التاجر حجة لخفض السعر بدعوى الشوائب، كما أن السوق المنظم سيرفع قيمة محصولنا بنسبة 20% على الأقل.”
بدوره يقول المزارع سالم عبده معافا: “الجمعية توفر الديزل والبذور لكنها تغيب عند ‘البيع’، مواصلاً حديثه بالقول: “نريد نقاط تجميع تحمينا من تقلبات السوق العشوائي الذي لا يستوعب طموحاتنا.”
ويقول المزارع محمد علي: “تكاليف النقل تأكل الأرباح بسبب التنقل بين الأسواق بحثًا عن سعر عادل، والسوق المركزي سيختصر المسافات ويوفر سعرًا رسميًا معلنًا.”
وتُظهر هذه المعطيات أن معضلة المزارع التهامي لا تكمن في “القدرة على الإنتاج”، بل في غياب “الأمن التسويقي”، فالمزارع يجد نفسه وحيدًا في مواجهة شبكة معقدة من الوسطاء الذين يستغلون غياب الصوامع، وفقدان التسعيرة الاسترشادية، وتهالك البنية التحتية، ولذا فإن وجود “سوق مركزي للحبوب” في تهامة، بات ضرورة سيادية؛ لأن الاستمرار في النهج العشوائي يعني استنزاف جهود المزارع وإبقاء فاتورة الاستيراد مفتوحة على مصراعيها.
الإنتاج بلا سوق هدر للموارد
ويوضح مدير عام هيئة تطوير تهامة، المهندس فواز العذري، أن الهيئة لم تكن يوماً غائبة عن المشهد الزراعي، مؤكداً أنها تمثل الركيزة المحورية التي تستند إليها العملية الزراعية في تهامة، في حدود الموارد والإمكانات المتاحة.
ويشير العذري إلى أن الهيئة تعمل في ظل انقطاع مخصصات الموازنة العامة بتمويل ذاتي، ما يضاعف من حجم التحديات، مبيناً أن الكادر الفني للهيئة منتشر في مختلف المديريات لتنفيذ مهام جمع بيانات الأسعار وممارسة الرقابة الميدانية، بما يسهم في ضبط حركة السوق ومتابعة مؤشرات التداول.
ويوضح أن دور الهيئة يتجاوز الإطار التنظيمي المكاني للأسواق، ليمتد إلى الإشراف الفني على مراكز الغربلة ووحدة الصادرات، بما يضمن وصول الحبوب التهامية إلى الأسواق المحلية والخارجية بجودة عالية قادرة على المنافسة، معتبراً أن هذا المسار يمثل جوهر الرؤية الاستراتيجية لتطوير القطاع وتعزيز حضوره في الأسواق.
ويؤكد العذري أن الهيئة تدير أنشطتها التشغيلية اعتماداً على مواردها الذاتية المحدودة، موضحاً أن تلك الموارد تُوجَّه نحو تشغيل وصيانة منشآت الري الكبرى وقنوات تصريف السيول، وتنفيذ برامج الإرشاد الزراعي والبيطري، ودعم المراكز الإرشادية، إلى جانب تنظيم عمليات التسويق والصادرات، بما يحافظ على استمرارية العملية الإنتاجية.
وفي سياق حديثه عن واقع الأسواق الشعبية، يشير مدير عام هيئة تطوير تهامة إلى أن طبيعتها بوصفها أسواقاً دورية أسبوعية ومتباعدة جغرافياً تجعل من تقديم خدمات النظافة والحماية التقليدية تحدياً مؤسسياً يتطلب تكامل الأدوار مع السلطات المحلية، مؤكداً أن الهيئة تركز ميزانيتها المتاحة على ما تصفه بـ”الأولويات الإنتاجية”، لضمان بقاء المزارع في أرضه واستمرار تدفق الحبوب إلى الأسواق دون انقطاع.
وعن مشروع إنشاء سوق مركزي للحبوب البلدية، يوضح العذري أن المشروع مدرج ضمن الخطط الاستراتيجية للهيئة وينتظر التمويل اللازم، لافتاً إلى أن الخصوصية الجغرافية لتهامة وتوزيع المزارعين في مديريات مترامية الأطراف تجعل خيار التجميع القسري في موقع واحد أمراً معقداً من الناحية العملية.
ويؤكد أن البديل المرحلي الذي تعمل عليه الهيئة يتمثل في تفعيل دور الجمعيات الزراعية وفتح منافذ تسويقية دائمة تحت إشراف فني مباشر، لتكون نواة لأسواق نموذجية تخدم المزارعين ضمن نطاقهم الجغرافي، وتحقق استقراراً تدريجياً في البنية التسويقية.
وفي ما يتعلق بالمؤشرات السعرية، يؤكد العذري أن الأرقام تعكس تحسناً ملحوظاً في أوضاع السوق، موضحاً أن سياسات تنظيم التصدير عبر وحدة صادرات تهامة، إلى جانب تحسين جودة المنتج، أسهمت في تحقيق توازن سعري غير مسبوق. ويشير إلى أن سعر كيس الحبوب ارتفع من نحو ستة آلاف ريال إلى مستوى مستقر يتجاوز ثلاثة عشر ألف ريال، معتبراً أن هذا التحسن يعكس نجاح جهود الهيئة في كسر حلقات الاحتكار وفتح آفاق تصديرية أوسع، بما يحقق سعراً أكثر إنصافاً للمزارعين.
ويؤكد العذري على أن الهيئة تمثل خط الدفاع الأول لحماية المنتج والمزارع، وأنها مستمرة في تطوير أدواتها الفنية والتسويقية رغم محدودية الموارد، بما يعزز استقرار الأسواق ويحفظ حقوق المزارعين في تهامة.ويضع ضابط سلسلة القيمة لمحاصيل الحبوب المهندس شمسان المنيري أصبعه على الجرح الفني واللوجستي للعملية التسويقية.
ويعيد في تصريح خاص لـ “اليمن الزراعية” رسم خارطة الطريق الفنية، مؤكداً أنه وعلى الرغم من تصاعد الوعي المجتمعي بأهمية المنتج المحلي، إلا أننا من الناحية الفنية لا يمكننا الادعاء بوجود “سلسلة قيمة” مكتملة وناجحة في ظل بيئة تفتقر لأدنى معايير التخزين النظيف والآمن.
ويشير إلى أن غياب مراكز التجمع اللوجستية يؤدي حتمًا إلى ضياع القيمة المضافة وهدر كميات هائلة من المحاصيل نتيجة ‘التداول البدائي، وسوء المناولة.
ويكشف المنيري عن ملامح الخطة التسويقية الفنية بقوله: “لقد عكفنا على إعداد دراسات فنية دقيقة تهدف لثورة في آليات التسويق، تتوج بإنشاء سوق محوري في منطقة كيلو 18 بمديرية المراوعة، والذي بدأ العمل فيه فعليًا وسنعلن عن افتتاحه قريبًا ليكون مركز الثقل الزراعي الأول، كما تتضمن الخطة إنشاء نقاط تجميع نموذجية لضمان تدفق محاصيل عالية الجودة، مع تفعيل دور فرسان التنمية والجمعيات في إدارتها.
ويوضح المنيري المسارات الإجرائية، فالخطة تشمل أيضًا إلزام الأسواق الاستهلاكية في المديريات بموازين ومعايير جودة معتمدة مع تجريم الاحتكار كليًا.
ويواصل : “كما اعتمدنا استراتيجية الربط المباشر بين المزارع والمصانع عبر الزراعة التعاقدية كما حدث في محصول الصويا بباجل فضلًا عن تفعيل التسويق التبادلي بين الجمعيات في مختلف المحافظات لتلبية الاحتياجات النوعية لكل منطقة.”
وبالانتقال إلى الدور الوسيط، التقينا بـرئيس جمعية الاكتفاء بالمراوعة محمد عطية حدال
وبرئيس جمعية باجل الشيخ عادل سام حيث أكدا أن الجمعيات تبذل قصارى جهدها في توفير البذور والحراثة، لكنهما أقرا بالعجز أمام معضلة “تنظيم السوق”.
وعند طرح فكرة “نقاط التجميع النموذجية”، جاء الرد بأن التمويل هو العائق الأكبر، حيث تمارس الجمعيات ضغوطًا خجولة على الجهات المسؤولة، لكنها تظل محكومة بضعف الإمكانيات اللوجستية التي تحول دون تنفيذ رقابة سعرية حقيقية.




