
جهود رسمية ومجتمعية لتحسين جودة المنتج وتنظيم التسويق
اليمن الزراعية- الحسين اليزيدي:
يُعد التفاح الصعدي من أبرز وأجود المنتجات الزراعية التي تميّز محافظة صعدة، حيث يحتل مكانة خاصة في السوق المحلي لما يتمتع به من طعم فريد وجودة عالية تعكس خصوبة الأرض ومهارة المزارع اليمني.
وعلى الرغم من الإمكانيات الكبيرة التي يمتلكها هذا المحصول، إلا أن المزارعين لا يزالون يواجهون تحديات متعددة تتعلق بضعف التسويق والدعم الفني للمزارعين، وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى تنمية زراعة التفاح الصعدي، والارتقاء بطرق إنتاجه وتخزينه وتسويقه، بما يضمن الحفاظ على هذا الإرث الزراعي وتحويله إلى مورد اقتصادي فعّال يُسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، وينهي فاتورة الاستيراد، ويدفع التجار إلى مراحل متقدمة في التصدير الخارجي، إضافة إلى تحسين طرق تخزينه والاهتمام به وتوزيعه إلى أسواق مختلف محافظات الجمهورية.
ويروي المزارع مطر الزريبي من مديرية سحار بمحافظة صعدة تجربته الطويلة في هذا المجال، مشيرًا إلى أن إنتاج التفاح في منطقته شهد خلال السنوات الأخيرة زيادة واضحة، حيث أصبح موسم التفاح من أهم المواسم التي يعتمد عليها في معيشته، مؤكداً أن كثيرًا من المزارعين قاموا بزراعة شتلات جديدة خلال السنوات الماضية، وهي الآن في طريقها للإثمار، ما يعني أن الإنتاج سيزيد أكثر خلال الأعوام المقبلة.
ويوضح الزريبي أن زراعة التفاح تتطلب جهدًا وعناية مستمرة، بدءًا من اختيار الأرض المناسبة، مرورًا بعمليات الري والتقليم، وانتهاءً بالحصاد والنقل.
ويضيف أن التفاح الصعدي يلقى قبولًا واسعًا بين الناس بسبب طعمه الطبيعي وجودته العالية، مشيرًا إلى أن أغلب المزارعين في المنطقة يعتمدون على هذه الفاكهة كمصدر رئيسي للدخل، خاصة بعد منع دخول التفاح المستورد الذي كان ينافس المنتج المحلي.
لكن ورغم الوفرة، يعبّر الزريبي عن استيائه من مشكلة التخزين، التي يرى فيها العقبة الأكبر التي تواجه المزارعين كل عام، لافتاً إلى أنه “لا توجد ثلاجات كافية أو مجهزة بشكل مناسب في أغلب المناطق، ما يضطر المزارعون إما إلى بيع المحصول بسرعة بسعر منخفض أو إلى مواجهة تلف جزء كبير منه لاحقًا”.
ويضيف: “نخزن التفاح فترة بسيطة، لكن لا نستطيع تخزينه أكثر من سنة، لأنه يفسد، وحتى التجار لا يستطيعون تخزين كميات كبيرة لأن لا يوجد دعم أو متابعة”.
ويختتم الزريبي حديثه بمناشدة وزارة الزراعة بأن تكون أقرب إلى المزارع، ليس فقط وقت الزراعة، وإنما يتطلب منها أن تقف إلى جانبه ،عند الحصاد والتسويق، من خلال توفير ثلاجات، ودعم في النقل والتسويق، وتسهيلات تحمي المزارعين من الخسائر الموسمية التي تتكرر كل عام.
من جهته يؤكد المزارع علي معجب، على أهمية زراعة الفواكه المحلية، وفي مقدمتها التفاح، مشيرًا إلى أنها تمثل مصدر دخل حيوي للعديد من الأسر الزراعية وتسهم في دعم الاقتصاد المحلي.
ويوضح أنه يزرع ما يقارب 2000 شجرة من أشجار التفاح، و أن جودة الإنتاج المحلي ترفع من قيمة المحصول في السوق، حيث تصل قيمة السلة الواحدة إلى 4500 ريال، معرباً عن فخره بجودة التفاح المحلي، خاصة الأصناف التي يتم الاعتناء بها منذ مرحلة الغرس وحتى الحصاد، مؤكدًا أن الإقبال على التفاح المحلي في ازدياد نتيجة نكهته المميزة وملاءمته للمستهلك، مشدداً على أهمية مواصلة تطوير تقنيات الزراعة والعناية بالأشجار لتحسين الإنتاج كماً ونوعاً.
ورغم هذه النجاحات، ينبه معجب إلى التحديات التي يواجهها المزارعون، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف التخزين، مما يثقل كاهلهم ويؤثر على العائد النهائي، موجهاً دعوة للجهات المختصة بضرورة دعم المزارعين من خلال خفض أسعار التخزين، وتوفير شتلات التفاح السكري، الذي يُعد من أجود الأنواع وأكثرها طلبًا، لما له من دور في تعزيز تنافسية المنتج المحلي واستدامة القطاع الزراعي.
منتج محلي بامتياز
وفي هذا الصدد، يقول تاجر الفواكه صدام الشرع، مالك “مؤسسة الشرع للتصدير”: “هذا العام سنقوم بتخزين أكثر من 50 ألف سلة تفاح، بعد أن قمنا العام الماضي بتخزين قرابة 35 ألف سلة من أنواع الفلي بكميات محدودة، والحلي، والعقبة، ولدينا خطط للوصول إلى بقية المحافظات”.
ويؤكد أن الكميات التي تنتجها بلادنا لا تكفي إلا للسوق المحلي، بالإضافة إلى وجود منافسة في أسواق الدول المجاورة، كما أن الكميات المحسنة التي تنتجها بلادنا لازالت قليلة تستهلك محليا بأسعار أعلى من السوق الخارجي.
ويشير الشرع إلى أن مؤسسته تحولت -بفضل الله- من الاهتمام باستيراد الفواكه من الخارج إلى تصدير الفواكه المحلية، استشعارًا بقيمة المنتج المحلي وللتسهيلات التي وفرتها وزارة الزراعة، منوهًا بأهمية إيجاد حلول للعوائق والصعوبات التي ما زالت تعيق طريق التجار في المنتجات المحلية.
بدوره، يقول التاجر أحمد العبيدي، الذي دخل عالم التجارة عام 1998 بدافع من والده، إن هذا النوع المحلي يتمتع بمذاق وجودة لا تضاهى، ويُعد رمزًا من رموز الزراعة الصعدية، لافتاً إلى أنه ومع مرور الوقت، بدأت أصناف جديدة تدخل السوق مثل تفاح “سكري”، لكنها ما زالت محدودة ولم تصل إلى مستوى الجودة والثقة التي يحظى بها التفاح الصعدي التقليدي.
وبحسب العبيدي، فإن تجارة التفاح المحلي تعتمد بشكل كبير على التغيرات الموسمية وتذبذب الأسعار، حيث تتراوح الكميات التي يقوم بتخزينها سنويًا بين 20 ألفًا إلى 30 ألف سلة، موضحاً أن هذه الكمية تتأثر بعدة عوامل، منها تكلفة النقل، وسعة السوق، واهتمامات المستهلك، بالإضافة إلى وجهة نظر التاجر نفسه حول التوقيت المناسب للبيع.
ومع منع استيراد التفاح من الخارج، شهدت الأسواق المحلية تحولًا إيجابيًا نحو المنتج الوطني، حيث ارتفع الإقبال على التفاح الصعدي، وأصبح يُنظر إليه كخيار أول للمستهلك اليمني، ما أعاد الاعتبار للمنتج المحلي وشجّع الكثير من المزارعين والتجار على التوسع فيه.
ويشير العبيدي إلى أن جودة التفاح ترتبط بشكل مباشر بالبيئة التي يُزرع فيها، حيث تلعب المنطقة الجغرافية وخبرة المزارع دورًا أساسيًا في تحسين جودة الثمار، كما أن عمر الشجرة وطريقة العناية بها من حيث الري والتقليم والتسميد تؤثر بشكل واضح في طعم وجودة التفاح.
وعلى الرغم من أن الرمان الصعدي يُخصّص في الغالب للتصدير، فإن التفاح لا يزال منتجًا محليًا بامتياز، بحاجة إلى رؤية تسويقية متكاملة وتعاون جاد بين التجار والسلطات الزراعية لتطوير سلاسل التوزيع وتحقيق الاستفادة القصوى من هذا المحصول الواعد، الذي يمكن أن يسهم في دعم الاقتصاد المحلي إذا ما تم استثماره وتنظيم تسويقه بشكل أفضل.
نجاحات كبيرة بعد منع استيراد التفاح الخارجي
ويعد التفاح الصعدي من أشهر الفواكه في اليمن، ويُزرع بميزة تنافسية على مستوى البلاد، حيث تنتج محافظة صعدة أكثر من 18 إلى 20 ألف طن سنويًا من التفاح في موسمين: الصيفي والشتوي.
ويشير مدير عام مكتب الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية بصعدة المهندس زكريا المتوكل إلى أن المكتب يعمل بجهود كبيرة على تنظيم تسويق التفاح، حيث تم تصدير كميات كبيرة إلى دول الجوار – خصوصًا السعودية – منذ عام 2021، وذلك بفضل تطبيق معايير ما قبل وما بعد الحصاد، من قطف ونقل وتغليف وتبريد.
ويقول المتوكل: “بعد تحسين جودة التفاح ورفع قدرته التنافسية عبر سلاسل التبريد والتغليف، نجحنا في تصدير التفاح السكري للعام الثالث على التوالي، حيث تم إنتاج أكثر من 12 صنفًا ذات جودة عالية، تتحمل النقل والتبريد، ولها قوام صلب ومظهر تسويقي جذاب، على عكس الأصناف المحلية السابقة التي كانت تعاني من قوام هش وتلون جزئي في الثمار”.
ويضيف: “أنتج مشتل المكتب أكثر من 120 ألف شتلة تفاح سكري، تم توزيعها على المزارعين بأسعار رمزية، ولدينا حاليًا أكثر من 80 ألف شتلة قابلة للبيع، و120 ألفًا أخرى للتطعيم خلال الموسم المقبل، مواصلاً: نتابع الشتلات المزروعة ونعمل على ربط المزارعين بالتجار من خلال قاعدة بيانات دقيقة، مما يساعد في تعزيز القيمة التسويقية للتفاح الصعدي.
ورغم النجاحات، يعبّر المهندس المتوكل عن قلقه من تهريب أو استيراد التفاح الخارجي إلى الأسواق المحلية، وهو ما يُعد تهديدًا خطيرًا للمزارع المحلي والاقتصاد الزراعي الوطني، واصفاً دخول التفاح الخارجي – رسميًا أو تهريبًا – بأنه “القشة التي قصمت ظهر البعير” و”آخر مسمار في نعش التفاح المحلي”.
ويضيف: “في العام الماضي، بلغ سعر سلة التفاح ما بين 12 إلى 16 ألف ريال، أما هذا العام فقد انخفض السعر إلى 6 أو 7 آلاف ريال فقط، بسبب دخول التفاح الأجنبي، رغم أن التخزين المحلي بلغ أكثر من 280 ألف سلة تم توزيعها عبر جدول زمني منظم”.
ويؤكد المتوكل على ضرورة خفض الفاقد من التفاح، مشيرًا إلى أن من أهم الحلول لخفض الفاقد – الذي يُقدَّر ما بين 5 إلى 15% – هو التوسع في الصناعات الغذائية، مثل إنتاج خل التفاح، العصائر، المربيات، والنكتارات، مبيناً أنه قد تم بالفعل توقيع عقود مع مستثمرين لإنشاء مصنع مركزات في صعدة، وتجري حاليًا أعمال البنية التحتية له، وهو ما سيسهم في امتصاص الفائض من الإنتاج وتعزيز القيمة المضافة للتفاح المحلي.
ويشير المتوكل إلى أن التفاح اليمني يتميز بإنتاج موسمين في السنة، وهو ما لا يتوفر في معظم دول العالم، ويُعد ميزة تنافسية نادرة يمكن استغلالها في التوسع الرأسي بإدخال التقنيات الحديثة والأفقي بزيادة المساحات المزروعة.
فرصة استثمارية واعدة
من جانبه، يوضح ضابط سلسلة الفواكه في وزارة الزراعة، زهران المشرقي، أن التفاح الصعدي يشكل فرصة استثمارية واعدة يمكن من خلالها إقامة عدة مشاريع، منها معامل لإنتاج العصائر، والمخللات، والمساحيق الغذائية، إضافة إلى مصانع خاصة بتعبئة وتغليف الفواكه، بما يسهم في تنمية القطاع الزراعي وزيادة القيمة المضافة لهذا المنتج المحلي.
ويشير المشرقي إلى أن الوزارة تعمل على دعم وتشجيع المستثمرين المحليين للاستفادة من محصول التفاح في الصناعات التحويلية، من خلال تقديم تسهيلات متعددة تشمل تسويق المنتجات داخل اليمن وخارجها، وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار الزراعي والصناعي. وأكد أن الاستفادة من التفاح في مجالات التصنيع المختلفة سيقلل من فاتورة الاستيراد، خاصة فيما يتعلق بالعصائر، كما أن قرار منع استيراد التفاح الخارجي سيساهم في حماية وتشجيع الإنتاج المحلي وتعزيز ثقة المستهلك بالمنتجات الوطنية.
وحول آلية تخزين التفاح، يوضح أن التخزين يتم في ثلاجات خاصة لفترة محدودة تمتد حتى نهاية الموسم، لضبط التوازن بين العرض والطلب في السوق. ونبّه إلى أن تخزين التفاح لفترات طويلة تزيد على سنة يؤدي إلى تلفه ويفقده جودته، مما يتطلب تخطيطًا دقيقًا في عمليات الحفظ والتوزيع. وأكد أن الوزارة تتابع عن كثب هذه العملية لضمان استدامة المحصول والمحافظة على جودته حتى يصل إلى المستهلك.
وفيما يتعلق بخطة الوزارة للعام الهجري 1447، يبيّن المشرقي أن من أبرز أهدافها تفعيل نظام الزراعة التعاقدية بين المزارعين والتجار، وتشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة بالتفاح، إلى جانب تثبيت قرار منع استيراد التفاح الخارجي. ولفت إلى أن الوزارة قدمت حزمة من التسهيلات للتجار بهدف خلق شراكة حقيقية تضمن استقرار السوق ودعم الاقتصاد الوطني من خلال المنتج الزراعي المحلي، وفي مقدمتها التفاح الصعدي الذي يشكّل أحد أهم روافد الأمن الغذائي في البلاد.
المتوكل: بعد تحسين جودة التفاح ورفع قدرته التنافسية عبر سلاسل التبريد والتغليف، نجحنا في تصدير التفاح السكري للعام الثالث على التوالي
المشرقي: نسعى في خطة 1447هــ إلى تفعيل نظام الزراعة التعاقدية بين المزارعين والتجار، وتشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة بالتفاح