
التين الشوكي في اليمن
في قلب التحديات الاقتصادية المتنامية، والضغوط البيئية المتصاعدة، يبرز التين الشوكي في اليمن كأحد الخيارات الزراعية الاستراتيجية التي تعد بمستقبل واعد على صعيد الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية.
وعلى الرغم من كونه نباتًا صحراويًا مقاومًا للجفاف، ولطالما اعتُبر محصولًا هامشيًا أو موسميًا، إلا أنه بات اليوم يتقدم بخطى ثابتة نحو موقع متقدم ضمن سلاسل القيمة الزراعية، لما يقدمه من جدوى اقتصادية كبيرة، وتنوع في الاستخدامات، وفرص اقتصادية واعدة.
اليمن الزراعية- محمد صالح حاتم
ومن حقول بني بهلول إلى المرتفعات الزراعية في ذمار، والأراضي الهامشية في إب، ثم إلى الأسواق الخليجية، يشق التين الشوكي طريقه كـ”ذهب أخضر” يمتلك من المزايا البيئية والاقتصادية ما يؤهله ليكون أحد أعمدة التحول الزراعي في اليمن.
وبفضل تنوع التضاريس اليمنية وتراكم خبرات مزارعيها، تتعاظم فرص الاستثمار في هذا المحصول، الذي بات يشكل نقطة التقاء بين طموحات الريف المنتج، وحاجات السوق، وتطلعات الدولة نحو تنمية زراعية مستدامة.
في منطقة غيمان التابعة لمديرية سنحان وبني بهلول بمحافظة صنعاء، يتجه المزارعون بشكل متزايد إلى زراعة التين الشوكي، ليس فقط كبديل مجدٍ عن القات، بل كمصدر دخل دائم ورافد استراتيجي للأمن الغذائي.
ويُعد المزارع عرفات علي العراسي من أبرز من تبنوا زراعة هذا المحصول في المنطقة، مؤكدًا أن التين الشوكي لم يعد موسمًا عابرًا، بل دخل ضمن دورة الإنتاج المستدام على مدار العام.
ويوضح العراسي أن زراعة التين الشوكي تبدأ بتحضير الأرض وفتح السواقي، تليها زراعة “الشدب” – أي الأغصان المستقطعة من نبات التين – في تربة مخصبة ومروية، مبيناً أن ما يميز هذا النبات، هو حاجته المحدودة للماء، إذ لا يتطلب سوى ثلاث إلى خمس سقيات لتثبيت الشتلات، ما يجعله مناسبًا للمناطق الجافة وشحيحة المياه.
موسم طويل وتسويق متنوع
ومع أن التين الشوكي كان يُعرف قديمًا كمحصول صيفي محدود، إلا أنه أصبح يُنتج اليوم على مدار السنة بفضل التقنيات الزراعية والري المنتظم.
ويشير عرفات إلى أن التين الشوكي نوعان، وهما:
المفتّح: يُباع ناضجًا في الأسواق المحلية، ويُسوّق بشكل أساسي عبر الباعة المتجولين أصحاب العربات المتنقلة في صنعاء، ويتراوح سعر التنكة بين 1500 و2500 ريال.
المختم: يُقطف قبل اكتمال نضجه لتصديره إلى أسواق الخليج عبر وكلاء تسويق محترفين.
ولا تقتصر فوائد التين الشوكي على ثماره اللذيذة، بل تشمل أوراقه وبذوره؛ حيث تُستخدم الأوراق كعلف للمواشي، وتُستخرج من البذور زيوت طبيعية باهظة الثمن تدخل في الصناعات التجميلية والطبية، كما تُستغل بقاياه لصناعة الشامبو والمستحضرات الطبيعية.
هذه الاستخدامات الصناعية المتعددة تعزز فرص تحويل التين الشوكي إلى مادة خام لصناعات تحويلية ذات قيمة مضافة عالية.
وعلى الرغم من هذه الميزات الواعدة، إلا أن العراسي يشير إلى أن غياب المصانع التحويلية في مناطق الإنتاج يمثل عقبة كبيرة أمام الاستفادة القصوى من هذا المحصول، منوهاً إلى أن إنشاء هذه المصانع سيسهم في خلق فرص عمل، وتنشيط الاقتصاد الريفي، وتوسيع سلاسل القيمة المضافة.
ويؤكد العراسي أن التين الشوكي يتفوق على القات من حيث العائد الاقتصادي والتأثير الصحي والاجتماعي، مؤكدًا عزمه على توسيع مساحة زراعته باعتباره استثمارًا آمنًا وواعدًا لمستقبل اليمن الزراعي.
سلاسل إنتاج وصناعات واعدة
من جهته، يوضح ضابط سلاسل القيمة كهلان الجحيفي أن التين الشوكي يشهد توسعًا أفقيًا متسارعًا، لا سيما في محافظة ذمار، التي احتضنت زراعته ضمن خطط تنمية زراعية منسقة.
ويؤكد أن المحصول يحمل فرصًا استثمارية نوعية، خصوصًا في مجال إنتاج الزيوت الفاخرة، التي يُقدّر سعر اللتر الواحد منها في الأسواق العالمية بـ 200 إلى 300 دولار، مشيراً إلى أن هناك تحركات لإنشاء معامل متخصصة في استخلاص الزيوت، العصائر، والمربيات، مما يُعزز القيمة الاقتصادية للمحصول.
بالإضافة إلى الأيادي العاملة التي تشتغل ضمن سلاسل هذا المحصول، حيث يستفيد الآلاف من الشباب في بيع التين الشوكي، ويؤكد الجحيفي أن سلاسل القيمة للتين الشوكي تشمل ما يلي:
•سلسلة الزيوت: ذات استخدامات في التجميل والطب البديل.
•سلسلة العصائر والمربى: من اللب عالي الجودة.
•سلسلة الأعلاف: عبر استخدام أوراق النبات.
•سلسلة الأسمدة العضوية: من المخلفات المتخمرة.
•سلسلة الصناعات الدوائية: لما يحتويه النبات من مركبات علاجية.
ويلفت إلى الجهود المبذولة لاستغلال بقايا النبات في إنتاج الإيثانول والمركبات الطبية الطبيعية، موضحاً أن التين الشوكي يناسب طبيعة الأراضي اليمنية ويُعد حاجزًا بيئيًا ضد الرياح، ما يجعله أيضًا خيارًا استراتيجيًا.
ويشدّد الجحيفي على أهمية المسح الميداني للأراضي المزروعة وتوسيع الرقعة الزراعية، داعيًا إلى التحول لاستخدام الطاقة الشمسية في ريّ هذا المحصول لتقليل التكاليف وتعزيز الاستدامة.
تعزيز للدخل المحلي
وعلى صعيد متصل، يؤكد التاجر وائل عبدالله، الذي يعمل في تسويق التين الشوكي منذ أكثر من عقد، أن هذا المحصول يُزرع بسهولة ويبدأ بإنتاج ثماره خلال عام واحد فقط، مما يجعله مصدر دخل مباشر ومجزٍ للمزارعين.
ويشير إلى أنه يشتري المحصول من المزارعين ويقوم بتوزيعه على العربات المنتشرة في صنعاء، كما يعمل على توسيع نطاق التوزيع ليشمل محافظات: [صعدة، مأرب وذمار]، مع استعدادات لتوسيع التصدير إلى الأسواق الخليجية.
ويرى أن التين الشوكي يُعد فرصة استثمارية واعدة في قطاعات الزراعة، التجارة والصناعات الغذائية، داعيًا الجهات المعنية إلى توفير الدعم والبنية التحتية للنهوض بهذا القطاع الحيوي.
من جهته، يوضح مسؤول وحدة الصادرات في وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية محسن عاطف أن محصول التين الشوكي يمثل أحد أبرز الفرص الاستثمارية في اليمن حاليًا، لا سيما في ظل الطلب الخارجي المتزايد عليه.
ويبيّن أن الوزارة تعمل على تنظيم عمليات التصدير عبر تطوير بنية تحتية تشمل معامل للفرز، والتنظيف، والتعبئة، والتغليف، بما يواكب متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية. كما أُعدّت ملفات تسويقية شاملة، مما مكّن اليمن من تصدير ما لا يقل عن 100 طن يوميًا من البلس الشوكي، وخصوصًا إلى السعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، وسلطنة عُمان.
ويشيد عاطف بجهود المصدرين الذين التزموا بالتوجيهات التسويقية الرسمية، معتبرًا أن هذا التوجه يُعزّز مكانة اليمن في خارطة التصدير الزراعي ويؤسس لمرحلة جديدة من الريادة في تصدير المحاصيل غير التقليدية.
ومن الحقول الريفية في بني بهلول إلى رفوف المتاجر في الخليج، يرسم التين الشوكي قصة نجاح زراعية واقتصادية متكاملة، حيث توفّر فرص عمل، وتدعم الأمن الغذائي، وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار، فهذا المحصول المتواضع في مظهره، الثري في مضمونه، لم يعد مجرد فاكهة صيفية، بل أصبح مشروعًا وطنيًا قادرًا على إحداث تحوّل حقيقي في بنية الاقتصاد الزراعي اليمني.