
تحديات هيكلية ومعوقات في سلسلة القيمة
اليمن الزراعية: أيوب هادي
مع دخول موسم زراعة السمسم في تهامة، تتجدد آمال المزارعين في تحقيق موسم إنتاجي مثمر، نظرًا لما يمثله هذا المحصول التقليدي من أهمية اقتصادية واجتماعية، كونه أحد أبرز المحاصيل النقدية في اليمن وأكثرها ربحية.
وعلى الرغم من الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها هذا القطاع، لا تزال التحديات البنيوية وسوء التخطيط وضعف البنية التحتية تشكل عقبة أمام تطوير سلاسل القيمة الزراعية للسمسم، مما يستدعي تدخلات استراتيجية فعّالة.
ويُعد السمسم من المحاصيل الزيتية ذات الجدوى الاقتصادية العالية، حيث تحتوي بذوره على نسبة زيت تتراوح بين 48–65%، ويُستخدم في الصناعات الغذائية والطبية والتجميلية، فضلًا عن كونه سلعة تصديرية واعدة، كما يقول المهندس أحمد هزاع، المختص بالمحاصيل النقدية في الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي في تهامة.
ويضيف هزاع أن السمسم يُزرع في أربع عروات زراعية أساسية، مما يمنحه استدامة زراعية تتماشى مع خصائص المناخ المحلي، كما أن سهول تهامة، ولا سيّما محافظة الحديدة، تُعد من أبرز المناطق إنتاجًا لهذا المحصول، وتمثل المساحة المزروعة فيه نسبة كبيرة من إجمالي إنتاج البلاد.
ويشير إلى أن السمسم ليس مجرد محصول تقليدي، بل هو مورد اقتصادي استراتيجي يمكن تعظيم عوائده من خلال استثمارات مدروسة في سلاسل القيمة، تبدأ من البذور وتنتهي بالتسويق والتصنيع الغذائي.
تحديات هيكلية تعيق التوسع والإنتاج
وعلى الرغم من الإمكانات المتاحة، إلا أن مزارعي السمسم في تهامة يواجهون جملة من التحديات التي تعيق الإنتاج وتقلل من العوائد.
ويلفت ضابط سلسلة القيمة لمحصول السمسم حسام البخيتي، إلى أن من أبرز هذه التحديات: ضعف الإرشاد الزراعي، مما يؤدي إلى تدنّي مستوى الوعي الفني لدى المزارعين، وقلة تطبيق التوصيات الفنية، ما ينعكس سلباً على الإنتاجية في وحدة المساحة، وانعدام الأصناف المحسنة بشكل كافٍ، خاصة السمسم الأبيض المطلوب للأسواق، وغياب الجمعيات التعاونية عن مسارات التسويق، وترك السوق تحت رحمة الوسطاء، وعدم إدخال الميكنة الزراعية في عمليات الحصاد وما بعد الحصاد، مما يزيد من التكاليف ويضاعف الفاقد.
ويرى البخيتي أن هذه التحديات تضعف مردود المزارعين، وتؤثر في جودة المحصول، وتبقي منافع سلسلة القيمة محصورة في أيدي قلة من الوسطاء والمعاصر التقليدية، دون أن تنعكس على المنتجين الحقيقيين.
ويضيف: “لا بد من الاعتراف بأن المعوقات تمتد إلى الجوانب المؤسسية، مثل ضعف بناء القدرات، وغياب القروض البيضاء، وافتقار السلاسل الزراعية للحوكمة، والتشريعات، والتسويق المنظم”.
من جانبه يرى رئيس قسم الإرشاد في المنطقة الزراعية الوسطى بهيئة تطوير تهامة المهندس مطهر السعداني، أن الحلول تبدأ من الحقل عبر برامج رفع الوعي الفني والإرشاد المستمر، التي تسهم في تحسين الممارسات الزراعية، موضحاً أن هناك ثلاث طرق أساسية لزراعة السمسم، تختلف باختلاف الرطوبة والتربة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو ضرورة الاعتناء بالبذور، وتهيئة الأرض، والمتابعة المستمرة للمحصول.
ويوضح أن غياب التوجيه الفني في مراحل الزراعة والحصاد يؤدي إلى فقدان نسبة كبيرة من الإنتاج، كما أن ضعف التخزين والتسويق يضاعف الخسائر. لذلك فإن تقوية منظومة الإرشاد الزراعي باتت ضرورة لا ترفاً”.
وفي السياق ذاته، يشير المهندس أحمد هزاع إلى أن محطة أبحاث تهامة الزراعية في الكدن قامت خلال العقود الماضية باستنباط أصناف محلية محسنة، مثل هزاع-1، وهزاع-2، وهزاع-3، وسردود-1، وهي أصناف تتميز بإنتاجية عالية، ومقاومة للأمراض، وتلائم الظروف المناخية للمنطقة.
جهود تطويرية ملموسة لكنها غير كافية
وفي محاولة لتجاوز هذه التحديات، تم تنفيذ عدد من المبادرات ضمن برنامج تطوير سلاسل القيمة لمحصول السمسم خلال المواسم الماضية، ومن أبرزها: تنفيذ 16 مدرسة حقلية شملت أكثر من 60 جلسة توعية للمزارعين، وتوفير 125 طناً من بذور السمسم الأحمر، والعمل على إنتاج 30 طناً من بذور السمسم الأبيض، إلى جانب حملات رش ومشروعات إقراض بيضاء لتمكين الجمعيات الزراعية، شملت توفير مبيدات وحراثات وغرابيل ضمن قروض بيضاء، وتمكين الجمعيات من مراكز متكاملة لتوزيع المدخلات، وإنشاء وحدات لتصنيع الأعلاف والزيوت، وتسويق منتجات ثانوية كالزيت والعصارة الحيوانية، لتقليل الاعتماد على الاستيراد. جاء ذلك وفقًا لتقرير رسمي أعده المهندس حسام البخيتي واطلعت عليه “اليمن الزراعية”.
ويشير البخيتي إلى أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية ما لم يتم استكمال بناء المنظومة التشريعية والتنظيمية، وتفعيل الزراعة التعاقدية، وتحديث البنية التحتية لعمليات ما بعد الحصاد.
الجمعيات الزراعية… شراكة من أجل التنمية
ولعبت الجمعيات الزراعية دورًا بارزًا في التخفيف من أعباء المزارعين في الموسم الجاري، من خلال انتخاب البذور وصيانتها وزراعتها في مزارع نموذجية، والإشراف والمتابعة لها وتقييمها، حتى أصبح نجاح محصول السمسم في زبيد ملموسًا، كما هو الحال في جمعية زبيد التعاونية الزراعية، بحسب ما أفاد به رئيس الجمعية محمد عبيد دين، مشيرًا إلى أن مديرية زبيد من أشهر المديريات إنتاجًا للسمسم.
ويبين رئيس الجمعية التعاونية في مديرية القناوص عبد العزيز عويدان أن تدخلات الجمعية في زراعة السمسم شملت الحراثة، وتوفير المبيدات، والتنسيق مع الجهات المعنية لتنفيذ الزراعة التعاقدية، من أجل ضمان أسعار عادلة وحماية المزارعين من تقلبات السوق.
المزارعون بين الأمل والحذر
و لا يزال المزارعون رغم هذه الجهود يزرعون السمسم بحذر، كما يشير عبدالواحد حمود هجام، أحد مزارعي مديرية المراوعة، الذي أوضح أن ارتفاع أسعار المدخلات، وغياب البذور المحسنة، وانتشار الآفات، تمثل أبرز التحديات كما حدث في المواسم الماضية.
ويضيف: “نستخدم طرقًا تقليدية مثل الزراعة البينية مع الذرة الرفيعة لتحديد موعد نضج السمسم، لكننا نحتاج إلى دعم فني مستمر”. ويؤكد المزارع عبدالرحمن جماعي من ذات المديرية أن تقلب الطقس وتأخر الأمطار يزيدان من تعقيد الموسم، في ظل ضعف الإرشاد الزراعي، لا سيما وأننا نعتمد على الأمطار في ري المحصول.
وتؤكد جميع الأطراف أن تحسين إنتاجية السمسم يتطلب استراتيجية وطنية شاملة ترتكز على:
- دعم البحث العلمي واستنباط أصناف محسنة.
- تعزيز برامج الإرشاد الزراعي والتدريب.
- تفعيل الزراعة التعاقدية وتنظيم التسويق.
- توفير قروض بيضاء وتمكين الجمعيات الزراعية.
- تحديث البنية التحتية وتوفير الميكنة الزراعية.
- تعزيز الصناعات التحويلية المرتبطة بالسمسم.
ويظل السمسم في تهامة محصولًا واعدًا يحمل في طياته إمكانات اقتصادية وتنموية كبرى، ويمكن أن تساهم في تحقيق الأمن الغذائي ورفع دخل المزارعين، بشرط تجاوز التحديات الحالية من خلال تدخلات مدروسة، وشراكات فعالة، ورؤية وطنية واضحة. فالمزارعون لا يفتقرون إلى الإرادة، بل يفتقرون إلى الدعم الفني، والإرشاد الممنهج، والبنية التحتية التي تليق بمحصول استراتيجي كتلك الحبة الصغيرة التي تختزن في داخلها فرصًا كبيرة.