قصص نجاح

نجاح التصنيع الزراعي المحلي في إنتاج أنواع وأحجام السلال التسويقية للمنتجات الزراعية في اليمن

اليمن الزراعية -.

لأعوام طويلة، كانت معاناة المزارعين اليمنيين مع تلف محاصيلهم قصة تتكرر كل موسم، فعندما يحين وقت الحصاد تبدأ الخسائر مبكرًا، لا بسبب الآفات أو قلة الإنتاج، بل نتيجة غياب العبوات المناسبة لنقل وتخزين المنتجات الزراعية. محاصيل مثل العنب، المانجو، اليوسفي، البرتقال، الليمون، الجوافة، الطماطم، التمر، والرمان كانت تصل إلى الأسواق وقد فقدت جزءًا كبيرًا من جودتها؛ لأن الوسائل المستخدمة في نقلها لم تكن مصممة لطبيعتها الحساسة.
اعتمد كثير من المزارعين على مشمعات أو صناديق مرتجلة أو مستوردة لا تراعي خصائص الثمار المحلية. العنب كان يُجمع ويُكدّس في سلال غير مناسبة فيتلف الكثير منه، والليمون والبرتقال والمانجو كثيرًا ما تعرضت للكدمات أثناء النقل، أما الجوافة والطماطم فكانت تتلف بسرعة بسبب رطوبتها وقابليتها للتلف السريع. كان المزارع يزرع ويحصد، ثم يخسر نسبة كبيرة من إنتاجه قبل أن يصل إلى المستهلك.
في ظل هذه التحديات، وتنفيذًا لموجهات السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، التي شددت على تحسين معاملات ما بعد الحصاد، وُلدت فكرة ذكية نابعة من الميدان، من حاجة واقعية، لا من مكاتب مغلقة أو دراسات نظرية. بدأت الفكرة بسيطة: لماذا لا نصنع سلالًا محلية مصممة خصيصًا لهذه المحاصيل؟ سلال تحافظ على جودة الثمار من لحظة قطفها حتى وصولها إلى السوق، وتقلل الهدر الكبير الذي كان يُثقل كاهل المزارع.
انطلق العمل على تصميم سلال محلية بمواصفات دقيقة، بأحجام وأشكال تتناسب مع طبيعة المنتجات الزراعية اليمنية. لم يكن الهدف إنتاج عبوات فقط، بل إنتاج حل ذكي يحافظ على جودة الفواكه والخضروات، ويمنحها فرصة أفضل للتسويق والتصدير. السلال الجديدة كانت متينة، وخفيفة الوزن، وسهلة الحمل، وقابلة لإعادة الاستخدام، وفي متناول المزارع من حيث التكلفة.
وقد أوضح المهندس عبدالكريم العامري، منسق مشروع التصنيع الزراعي والسمكي والمائي، أن هذا المشروع يأتي استجابة لموجهات السيد القائد عبدالملك الحوثي، والتي تأتي في إطار توجيهات وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، الدكتور رضوان الرباعي، لتعزيز حلقات التصنيع في سلاسل القيمة الزراعية والسمكية والمائية، وذلك عبر الجمعيات الزراعية التي ستوفر هذه السلال بشكل يلائم طبيعة المنتج وموسم الحصاد. وأكد أن هناك توجهًا حقيقيًا لبناء شراكات بين المصانع القائمة والمراكز الإنتاجية للتصنيع المحلي والجمعيات، لتوطين التصنيع في جميع حلقات سلاسل القيمة الزراعية والسمكية والمائية، ومنها عمليات الفرز، والتعبئة، والتجفيف، والتخزين، والتسويق، وحتى التصدير، بما يسهم في تقليل الفاقد وتحسين الجودة ورفع عائدات الإنتاج.
من فكرة بسيطة إلى قصة نجاح وطنية
تحولت هذه السلال إلى أكثر من مجرد وسيلة نقل؛ فقد استخدمت في التجفيف الطبيعي للعنب، والليمون، والتمر، والتين، والبن، واللوز، دون الحاجة إلى كهرباء أو مواد كيميائية، كما ساعدت في فرز الثمار بسهولة، وتحسين جودتها في مراكز التعبئة قبل عرضها في السوق أو تصديرها.
لم يكن المشروع نتاجًا لمؤسسة حكومية أو شركة كبرى، بل كان نابعًا من مبادرة مجتمعية متجذرة في الإحساس بالمسؤولية. مصنع صغير يعمل بطاقة محلية، مدفوعًا بروح وطنية، تحرّك لتلبية احتياجات السوق الزراعي، واستجاب فعليًا لتوجيهات قائد الثورة، فكانت النتيجة مشروعًا عمليًا يستجيب لحاجة ويعالج مشكلة مزمنة.
ورغم التحديات التي واجهت الإنتاج، خصوصًا نقص الكوادر الفنية والمواد الخام، إلا أن الجهود تكللت بالنجاح، وتم تجاوز العوائق تدريجيًا. واليوم يُنتج المصنع كميات كافية من السلال لتلبية الطلب المتزايد في مواسم الحصاد المختلفة، ومع أن نحو 50% من المواد الخام لا تزال تُستورد، إلا أن هناك توجهًا جادًا نحو الاكتفاء الذاتي والاعتماد الكلي على الصناعة المحلية.
الإقبال على هذه السلال ازداد مع مرور الوقت، حيث أثبتت كفاءتها في مختلف المحافظات، وأصبحت خيارًا مفضلًا لدى المزارعين والمصدرين. ورغم أن الترويج الإعلامي لا يزال بحاجة إلى تعزيز في بعض المناطق، حيث لا تزال الفكرة جديدة، يُعوّل على الجمعيات الزراعية التعاونية أن تلعب دورًا مهمًا في توسيع نطاق استخدامها، سواء عبر التوعية أو توفيرها وتمويلها من خلال قروض مجتمعية.
اليوم، تتوفر هذه السلال في العديد من المحافظات اليمنية، وتُستخدم في المزرعة، والأسواق، ومراكز التعبئة، والتغليف، والتصدير. لقد تحولت من مجرد صناديق بلاستيكية إلى أداة استراتيجية تدعم سلسلة القيمة الزراعية من المزرعة إلى المستهلك.
إنها قصة نجاح وطنية تؤكد أن الحلول لا تحتاج أن تكون مستوردة أو باهظة؛ أحيانًا يكفي أن نُصغي لما يقوله المزارع في حقله، وأن نستجيب لحاجته الفعلية، فنصنع له أداة تحفظ تعبه، وتزيد دخله، وتحمي محصوله من التلف. السلال الصغيرة كانت إحدى تلك الاستجابات الذكية، التي قد تبدو بسيطة، لكنها صنعت فرقًا كبيرًا في حياة الآلاف من المزارعين، وفي مستقبل الزراعة اليمنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى