
مبادرة مجتمعية واسعة لزراعة نوى التمر في رمضان
اليمن الزراعية| الحسين اليزيدي
في خطوة تعكس توجهًا وطنيًا نحو تعزيز الإنتاج المحلي وترسيخ ثقافة الاكتفاء الذاتي، أطلقت وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية مبادرة زراعة نوى التمر كمشروع مجتمعي واسع يسعى إلى تحويل النواة الصغيرة إلى رافعة اقتصادية وتنموية مستدامة.
وتقوم المبادرة على إشراك المجتمع في زراعة نوى التمر المتوفرة في كل منزل، بما يسهم في توسيع الرقعة الزراعية للنخيل، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز الأمن الغذائي خلال السنوات المقبلة.
وتحمل المبادرة أبعادًا اقتصادية وبيئية واجتماعية متكاملة، إذ تراهن على الجهود الفردية لتشكيل إنتاج وطني ملموس، ينعكس أثره على سلسلة القيمة للنخيل من مرحلة الغرس وحتى التسويق والتصنيع، وبين الطموح بتحقيق الاكتفاء الذاتي، والرؤية ببناء قاعدة إنتاجية واسعة، تتكامل الأدوار الرسمية والمجتمعية لإنجاح هذا المشروع الذي يعيد للنخلة مكانتها كشجرة اقتصاد وحياة.
وفي السياق، يوضح وكيل وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية لقطاع الثروة النباتية الدكتور إبراهيم السراجي أن إطلاق الحملة الوطنية والمبادرة المجتمعية لزراعة نوى التمر يأتي في إطار رؤية استراتيجية شاملة لدعم قطاع الإنتاج النباتي وتعزيز دوره في التنمية المستدامة.
ويؤكد السراجي أن من أبرز الأبعاد الاستراتيجية للمبادرة ترسيخ روح المشاركة والتعاون بين أفراد المجتمع في تنمية الإنتاج الزراعي، من خلال توجيه طاقاتهم نحو الزراعة والحفاظ على الثروة النباتية من التدهور. وأضاف أن المبادرة تسعى كذلك إلى غرس حب الزراعة في نفوس الأطفال والشباب والأسر، وتحويلها إلى ثقافة وطنية متجذرة ترتبط بتاريخ اليمن الزراعي وحضارته العريقة.
ويشير إلى أن التغيرات المناخية التي يشهدها العالم في السنوات الأخيرة تفرض ضرورة تبني خطط استراتيجية مرنة تدعم التوسع في الإنتاج الزراعي، واستغلال مواسم الأمطار والتغيرات المناخية لصالح التنمية الزراعية. وبيّن أن بعض المحاصيل التي كانت تُزرع في بيئات معتدلة قد تحتاج إلى نقلها إلى مناطق أكثر برودة، وربما تكون جديدة على تلك البيئات، إلا أنها قادرة على التأقلم والتكيف، بل وقد تحقق إنتاجية أفضل من مثيلاتها في موطنها التقليدي.
ويوضح السراجي أن التوسع في زراعة المحاصيل وإكثارها في بيئات جديدة يسهم في تجديد الأصناف، وزيادة الإنتاج، وتعزيز القدرة على التكيف مع الظروف المناخية الطارئة، ما يعزز من مرونة القطاع الزراعي في مواجهة التحديات المستقبلية.
ويؤكد أن للمبادرة أبعادًا استراتيجية متعددة، بيئية وصحية واقتصادية واجتماعية، قد لا تظهر نتائجها بشكل فوري، إلا أن آثارها الإيجابية ستتجلى خلال الفترة المقبلة، بإذن الله، لتشكل ركيزة أساسية في بناء قطاع زراعي أكثر قوة واستدامة.
وفي هذا السياق، يؤكد ضابط سلسلة العسل والحراجيات ذياب الأشموري أن مبادرة زراعة نوى التمر التي أطلقتها الوزارة تمثل مشروعًا وطنيًا مجتمعيًا متعدد الأبعاد الاقتصادية والبيئية والتنموية الواسعة، مشيرًا إلى أنها جاءت بتوجيهات مباشرة من قيادة الوزارة بهدف توجيه المجتمع للمشاركة الفاعلة في دعم الإنتاج الزراعي.
ويوضح الأشموري أن المبادرة تقوم على مبدأ بسيط لكنه له أثر كبير، يتمثل في تشجيع أفراد المجتمع على زراعة نوى التمر، بحيث تتحول الجهود الفردية إلى إنتاج وطني ملموس خلال السنوات المقبلة، مضيفاً أن المبادرة تستهدف زراعة أعداد كبيرة من النوى.
ويشير إلى أن أهمية المبادرة تكمن في بعدها الاستراتيجي، إذ أن نجاحها خلال أربع إلى خمس سنوات – وهي المدة المتوقعة لبدء الإثمار – سيسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز الأمن الغذائي، ورفع مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني، مؤكداً أن الدولة تُعد سوقًا استهلاكيًا كبيرًا للتمور، ما يجعل تعزيز الإنتاج المحلي أولوية اقتصادية ملحّة.
ويبيّن الأشموري أن المبادرة ليست موجهة لمنطقة بعينها، بل تشمل جميع المناطق، سواء الحارة أو المرتفعة أو المعتدلة، مؤكدًا أن النخيل قادر على التأقلم في بيئات متعددة، وأن التحديات الفنية مثل التلقيح وبرامج العناية ستُعالج من خلال آليات وبرامج إرشادية لاحقة، فيما تركز المرحلة الحالية على التوسع في الزراعة وترسيخ ثقافة المبادرة المجتمعية.
وفيما يتعلق بالشراكات، يشدد الأشموري على أن المجتمع يُعد الشريك الأول في هذه المبادرة، إلى جانب مختلف الوزارات والجهات الحكومية والمؤسسات، مؤكدًا أن التكامل بين الأجهزة الرسمية وشرائح المجتمع هو الأساس لنجاح المشروع، قائلاً: «هذه مبادرة وطنية بحتة، من الشعب إلى الشعب، وتعتمد على روح المسؤولية الجماعية».
كما أشار إلى وجود خطة إعلامية وتوعوية لدعم المبادرة، لتشمل إنتاج مواد مرئية وتثقيفية، والتعاون مع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر الرسائل الإرشادية وتحفيز المشاركة المجتمعية.
المبادرة تسعى لبناء قاعدة إنتاجية واسعة
من جانبه، يؤكد ضابط سلسلة القيمة للنخيل عبد الرحمن هزاع أن مبادرة زراعة نوى التمر تمثل تحولًا مهمًا في مسار تطوير قطاع النخيل، لما لها من أثر مباشر في توسيع الرقعة الزراعية وتعزيز الإنتاج المحلي بصورة سريعة وسهلة وبتكلفة محدودة.
ويوضح هزاع أن أهمية المبادرة تنبع من قدرتها على نشر زراعة النخيل في مختلف محافظات وقرى الجمهورية، ما يسهم في بناء قاعدة إنتاجية واسعة تمهد للوصول إلى الاكتفاء الذاتي خلال فترة وجيزة، مضيفاً أن استثمار نوى التمر المتوفرة في كل بيت وتحويلها إلى أشجار مثمرة يمثل نموذجًا عمليًا لتحويل الموارد البسيطة إلى منافع إنتاجية واقتصادية وبيئية مستدامة.
ويشير، إلى أن الوزارة تسعى من خلال المبادرة إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية، في مقدمتها تعميم زراعة النخيل في كل محافظة وقرية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول التمور، إلى جانب ترسيخ ثقافة الإنتاج المحلي لدى المجتمع وتعزيز تبنيه للمبادرات الاقتصادية الوطنية. كما تهدف المبادرة إلى استثمار الموارد المتاحة في مائدة كل أسرة وتحويلها إلى قيمة مضافة تخدم الاقتصاد الوطني.
وبيّن هزاع أن الزيادة المتوقعة في الإنتاج، والتي قد تصل إلى نحو 20 ألف طن، سيكون لها أثر واضح في تطوير سلسلة القيمة للنخيل، بدءًا من مرحلة الإنتاج وصولًا إلى التسويق. وأكد أن هذه الكميات ستغطي احتياج السوق المحلي، مع إمكانية فتح آفاق مستقبلية للتصدير، بما يعزز حضور المنتج الوطني في الأسواق الخارجية.
معاملات زراعية دقيقة
وفي السياق ذاته، يشير المهندس الزراعي محمد أبو طالب إلى أن زراعة النوى تتطلب التزامًا دقيقًا بالتفاصيل لضمان نجاح الإنبات ونمو الشتلة بشكل سليم، موضحاً أن البداية الصحيحة تكون باختيار نوى تمر ذات جودة جيدة، وغسلها بعناية لإزالة بقايا اللب، ثم تجفيفها ولفّها في منديل ورقي مبلل بالماء، ووضعها داخل علبة بلاستيكية للحفاظ على الرطوبة.
ويشدد على ضرورة متابعة النوى يوميًا لضمان بقائها رطبة دون جفاف إلى أن يظهر الجذير، وهو الخيط الأبيض الذي يخرج من قلب النواة معلنًا بدء مرحلة النمو، مشيراً إلى أنه بعد ظهور الجذير، تُنقل النواة إلى وعاء صغير يحتوي على خلطة ترابية مناسبة تتكون من 50% تربة زراعية و50% رمل، لضمان تصريف جيد للمياه ومنع تعفن الجذور. فالتربة الخفيفة جيدة الصرف، بحسب وصفه، تمثل عنصرًا حاسمًا في هذه المرحلة الحساسة، إذ إن زيادة الرطوبة قد تؤدي إلى تلف الشتلة الصغيرة، كما أن الجفاف الشديد قد يتسبب في موتها.
وفيما يتعلق ببرنامج الري، أوضح أن النخيل يتحمل الجفاف نسبيًا، لكنه لا يتحمل بقاء الجذور دون رطوبة لفترات طويلة، خاصة في المراحل الأولى. ففي مرحلة الإنبات يجب الحفاظ على رطوبة المنديل دون إفراط، وبعد نقل النواة إلى التربة ينبغي إبقاء التربة رطبة دون إغراقها بالماء. وعند نقل الشتلة إلى الأرض المستديمة، ينصح بريّها يوميًا خلال الأربعين يومًا الأولى من الغرس لضمان استقرار الجذور، على أن يتم الري صباحًا أو مساءً وتجنب أوقات الظهيرة. وبعد تكوّن المجموع الجذري، يمكن تقليل الري إلى مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيًا حسب درجات الحرارة والرطوبة.
وبيّن أن النخيل في المناطق الجافة يحتاج إلى عناية خاصة من خلال مجموعة من العمليات الزراعية الأساسية مثل التقليم، والتكريب، والتلقيح، ومكافحة الآفات، إضافة إلى الحراثة والتسميد والري المنتظم، مؤكداً أن نجاح هذه العمليات يعتمد على دقة تنفيذها وتوقيتها الصحيح، لما لها من أثر مباشر في تحسين النمو وجودة الإنتاج مستقبلًا.
أما عن الفروق بين المناطق الحارة والمرتفعة، فأوضح أن المبدأ الأساسي واحد ويتمثل في الحفاظ على رطوبة متوازنة حول الجذور دون إفراط أو جفاف، إلا أن عدد مرات الري يختلف باختلاف المناخ؛ ففي المناطق الحارة قد تحتاج الشتلات إلى ري يومي، بينما في المناطق المعتدلة أو المرتفعة يمكن أن يكون الري كل يومين أو ثلاثة أيام تبعًا لتقلبات الطقس.
ويشير المهندس أبو طالب إلى قدرة النخيل يتميز على التأقلم مع الظروف المناخية المختلفة، سواء في مواجهة درجات الحرارة المرتفعة أو موجات الصقيع، شريطة توفر الرطوبة الملائمة للنمو، مؤكدًا، أن نجاح زراعة نوى التمر يعتمد في جوهره على الاعتدال في الري، وجودة التربة، والمتابعة المستمرة، لتتحول النواة الصغيرة إلى نخلة قوية ومثمرة في مختلف البيئات.
السراجي: مبادرة زراعة نوى التمرخطوة استراتيجية لترسيخ الثقافة الزراعية والعمل المشترك
الأشموري: مبادرة زراعة نوى التمر مشروع وطني مجتمعي بأبعاد اقتصادية وبيئية
هزاع: المبادرة تبني قاعدة إنتاجية واسعة للنخيل في مختلف المحافظات
أبو طالب: زراعة نوى التمر تحتاج معاملات زراعية دقيقة لضمان النجاح




