
من عرق السخونة التهامية الممتدة على سواحلنا، ومن تفاصيل مائدتنا الرمضانية البسيطة، تنبعث اليوم دعوة ليست ككل الدعوات؛ دعوة تحمل في طياتها ملامح السيادة الغذائية. فبينما يلفظ الصائم “نواة” تمرته عقب إفطاره، قد لا يدرك في تلك اللحظة أنه يلقي بـ”بذرة اقتصادية” استراتيجية قادرة على تغيير وجه الخارطة الزراعية لليمن بالكامل.
هنا في تهامة الخير، حيث الأرض تطاوع اليد التي تزرع، تتحول “بركة رمضان” من مجرد عبادة روحية إلى “استدامة عطاء”، لتكون تلك النواة صدقة جارية في ميزان الحسنات، وعملاً وطنياً بامتياز يغرس فينا الأمل قبل الشجر.
فلسفة المبادرة.. الاستثمار في “المهدر” واستعادة السيادة
تشير المبادرة التي أطلقتها وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، بالتعاون مع شركاء التنمية، إلى أن زراعة “نوى التمر” خلال هذا الشهر الفضيل تمثل في جوهرها “ثورة خضراء” صيغت في ثوب مبادرة مجتمعية بسيطة. وتؤكد أن ما يراه البعض اليوم “نواة” تُلقى دون اكتراث، يُنظر إليه — بمنظور الأمن الغذائي — بوصفه رافعة اقتصادية قادرة على كسر قيود الاستيراد وتوفير ملايين الدولارات من العملة الصعبة التي ترهق كاهل الاقتصاد الوطني.
معادلة القوة (4 نوى)
توضح معادلة “4 نوى لكل مواطن”، التي تتبناها المبادرة، أنها تمثل معادلة القوة الحقيقية؛ فلو استشعر كل يمني مسؤوليته تجاه أرضه وحافظ على أربع نوى فقط من وجبة إفطاره طيلة شهر رمضان ، فسيجد البلد نفسه خلال سنوات قليلة أمام غابة منتجة تُقدَّر بنحو 20 ألف طن من التمور.
وتؤكد هذه الأرقام أن الأمر لا يتعلق بمحصول زراعي فحسب، بل بـ”استقلال اقتصادي” ومكافحة مباشرة للتصحر الذي يلتهم أراضينا، فضلاً عن كونه محركاً لخلق آلاف فرص العمل في مجالات التعبئة والتصنيع والتسويق. وتضيف أن الدعوة موجهة لكل أسرة يمنية لتحويل طقوس الإفطار إلى فعل بناء؛ فصون كرامة الوطن يبدأ من الاعتناء بهذه النواة حتى تصبح نخلة باسقة، تجسيداً حقيقياً لمعنى “الاستخلاف في الأرض”.
لغة الأرقام.. “معركة نقدية” لسيادة الغذاء
وفي هذا السياق يؤكد المهندس فواز العذري، مدير عام الهيئة العامة لتطوير تهامة، أن تحويل هذه المبادرة إلى واقع يعني رفد السوق المحلية بنحو 20 ألف طن إضافي من التمور في مراحل الإنتاج القصوى، مما يؤدي إلى خفض فاتورة استيراد التمور بنسبة تصل إلى 20%.
ويضيف العذري أن هذا التقليص يمثل “معركة نقدية” بامتياز للحفاظ على العملة الصعبة التي تُستنزف في الاستيراد، وتحويل تلك المبالغ لتنشيط الدورة الاقتصادية الداخلية. ويوضح أن المبادرة تقوم على مفهوم “الاقتصاد الدائري”، أي تحويل ما كان يُعد مخلفات (النوى) إلى أصول إنتاجية عالية القيمة.
الأثر البيئي.. “ترس النخيل” في وجه التصحر
من جانبه يوضح المهندس عبدالقادر يغنم، مدير عام حماية البيئة بمحافظة الحديدة، البعد البيئي للمبادرة، مبيناً أن تهامة تواجه زحف الرمال بصدور عارية، لكن “النخلة” تمثل ترساً حصيناً في المواجهة.
ويشير يغنم إلى أن زراعة النوى في المدن والوديان التهامية تسهم في:
•تحسين المناخ المحلي عبر خفض درجات الحرارة وتلطيف الأجواء.
•مكافحة التصحر، كون النخلة “صديقة البيئة اليمنية” بامتياز؛ فهي تصبر على العطش، وتتحمل الملوحة، وتضرب بجذورها عميقاً لتثبيت التربة.
الواجب المجتمعي..
وعلى نفس السياق يوضح هادي هيج أن المسؤولية لضمان نجاح هذه الملحمة الخضراء تقع على عاتق الجميع وزارة الزراعة التي تقدم الإرشاد حول طرق الغرس الصحيحة واختيار التربة المناسبة، والمجتمع والجمعيات التعاونية المطالبة بتحويل المبادرة من “نشاط موسمي” إلى “نهج حياة” وثقافة سائدة في كل بيت ومدرسة ومسجد.
النخلة في الموروث التهامي..
يشير الخبير والباحث الزراعي صديق جبريل إلى أن النخلة في تهامة ظلت جزءاً أصيلاً من الهوية المعمارية (العشش) والغذائية، وأن إعادة إحيائها تتطلب دقة علمية لتجاوز تحديات الزراعة التقليدية.
ويوضح خارطة الطريق الفنية لضمان تحويل هذه النوى إلى شتلات مثمرة قائلاً:
“تبدأ العملية بنظافة النوى وتجفيفها جيداً، ثم غمرها في ماء مدعم بهرمون تجذير متخصص، مع الحرص على تغيير الماء بانتظام ووضعها في مكان مظلم لتسريع الإنبات. كما يمكن استخدام تقنية المنديل المبلل في أطباق اختبار استنبات خاصة، ومتابعتها بدقة خلال فترة الإنبات التي قد تمتد من 40 إلى 60 يوماً”.
ويضيف جبريل أن النجاح الحقيقي يبدأ بعد الإنبات من خلال:
•الشتل الذكي: نقل النبتات إلى أكياس مشتل جيدة الصرف ومتابعة الري بانتظام.
•عملية التخريص: وهي الخطوة الحاسمة التي تتم بعد نحو ستة أشهر لفرز الشتلات وتحويلها إلى (إناث) لضمان الحصول على أشجار مثمرة مستقبلاً.
ويؤكد جبريل على أن الهدف من هذه الخطوات هو الحصول على أصول وراثية متأقلمة تحمل أفضل الصفات لمكاثرتها مستقبلاً، وضمان أن تكون هذه الثورة الخضراء مبنية على أسس إنتاجية مضمونة.
إن النواة التي تمسكها اليوم بين أصابعك هي نخلة الغد التي سيستظل بها أبناؤك ويأكلون من ثمرها. إنها خطوة نحو وطن لا يأكل إلا مما يزرع… فهل نبدأ بغرس الأمل؟





