إرشاداتصحافة

بين الكمية والجودة: مذكرات رحلة في عالم الصيد التقليدي

تُعد رحلة الصيد اليومية في عالم الصيد التقليدي مزيجاً فريداً من الصبر والخبرة الموروثة. إنها ليست مجرد مهنة، بل هي “رحلة جودة” تبدأ بتجهيز المعدات وتنتهي بتقديم سمكة طازجة للمستهلك. وفيما يلي استعراض للمراحل الدقيقة التي تمر بها هذه الرحلة اليومية:
أولاً: التحضير فجراً (ما قبل الانطلاق)
تبدأ الرحلة غالباً قبل بزوغ أول خيط للشمس، حيث تمثل مرحلة التحضير صمام الأمان للرحلة:
تجهيز القارب: فحص المحرك (الزيت، الوقود، ونظام التبريد)، والتأكد من سلامة الهيكل من أي تسريبات، مع فحص مضخة المياه وتجهيز المجاديف كخيار احتياطي ضروري.
أدوات السلامة: التحقق من وجود سترات النجاة، وحبال المرساة، والمصباح اليدوي، وسكين الطوارئ، إضافة إلى وسيلة اتصال (هاتف أو جهاز لاسلكي).
سلسلة التبريد: تجهيز الثلج (المجروش أو الألواح) وصناديق الحفظ (البلاستيكية أو “الفوم”)، فهي الفارق الجوهري بين صيدٍ عالي الجودة وصيدٍ تالف.
ثانياً: المعدات والطعوم
تختلف العدة باختلاف الهدف، لكن القارب التقليدي لا يخلو عادةً من:
أدوات الصيد: خيوط النايلون بمقاسات مختلفة (سميكة ورفيعة)، وسنارات بأحجام متنوعة، وأثقال رصاصية لمقاومة التيارات، وعوامات للصيد السطحي.
الطعوم: مزيج من الطعوم الطبيعية (سردين، حبار، أو جمبري) والطعوم الصناعية الملونة لجذب الأسماك المفترسة.
ثالثاً: سبر أغوار البحر (تحديد الموقع)
يعتمد الصياد التقليدي على “حواسه” وخبرته التراكمية أكثر من اعتماده على التكنولوجيا، ويستكشف أماكن الصيد عبر:
قراءة المؤشرات الطبيعية: مراقبة تجمعات الطيور (دليل على وجود السردين)، وتغير لون الماء، واتجاه التيارات والرياح.
العلامات الأرضية: استخدام الجبال أو المباني البارزة لتحديد النقاط البحرية بصرياً (ما يعرف محلياً بالمياّم).
المعرفة الموسمية: تتبع الشعاب المرجانية والحواف الصخرية ومواسم هجرة الأسماك.
رابعاً: تنفيذ عملية الصيد
تتم العملية وفق استراتيجيات محددة حسب نوع السمك المستهدف:
الصيد بالخيط (الوقوف): تثبيت القارب بالمرساة وتوزيع الأدوار بين الصيادين (مراقب، وصياد، ومجهز للطعوم).
الصيد بالجر (المتحرك): تحريك القارب ببطء لسحب الطعوم الصناعية، وهي طريقة مثالية لصيد الكنعد والتونة والبياض.
الصيد قرب الشعاب: يتطلب حذراً شديداً وسنارات قوية لتجنب انقطاع الخيوط بين الصخور.
خامساً: التعامل مع الصيد (معركة الجودة)
هنا تبرز قاعدة ذهبية: “كل دقيقة خارج الثلج هي خسارة في الجودة والسعر”.
يتم إخراج السمك بحذر، وإزالة السنارة، وتنظيفه من الدم سريعاً.
يوضع الصيد مباشرة في الثلج، مع مراعاة فصل الأسماك الكبيرة عن الصغيرة للحفاظ على سلامة القوام.
سادساً: قفول العودة وتفريغ الشحنة
تبدأ رحلة العودة عادةً قبل الظهر أو عند امتلاء الصناديق. وقبل الوصول إلى الساحل، يتم تنظيف القارب وجمع الخيوط، وبمجرد الرسو، يتم تفريغ الصيد بسرعة ونقله مباشرة إلى نقاط البيع أو مخازن التبريد لضمان وصوله طازجاً.
خلاصة القول:
إن نجاح رحلة الصيد التقليدي لا يُقاس بالكمية فحسب، بل بالتحضير الجيد، والخبرة في قراءة أسرار البحر، والعناية الفائقة بالصيد منذ لحظة خروجه من الماء حتى وصوله إلى يد المستهلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى