
العمود الفقري لدعم الزراعة
اليمن الزراعية| الحسين اليزيدي
تُعدّ المنشآت المائية من أهم مقومات الاستقرار المعيشي والتنمية الزراعية في بلادنا، لا سيما في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على مياه الأمطار والآبار السطحية، حيث شكلت السدود والحواجز المائية منذ القدم نموذجاً عملياً لكيفية إدارة الموارد المائية والحفاظ عليها والاستفادة منها بصورة عادلة ومستدامة.
كما تمثل المنشآت المائية العمود الفقري لتوفير مياه الشرب، ودعم الزراعة، وتوليد الطاقة، والحفاظ على التوازن البيئي، ومع تزايد الضغوط على الموارد المائية، تبرز أهمية الاهتمام بهذه المنشآت وتشغيلها بكفاءة تضمن استدامتها للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يقول رئيس وحدة الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية في مركز المياه والبيئة بجامعة صنعاء الدكتور طارق الحبشي إن الحفاظ على المنشآت المائية القائمة يتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على الجانب الهندسي فقط، بل تمتد لتشمل الأبعاد البيئية والتشريعية والمجتمعية.
ويوضح أن الصيانة الدورية وإجراء الفحوصات المنتظمة، إلى جانب أنظمة المراقبة المستمرة، تمثل خط الدفاع الأول لحماية هذه المنشآت من التدهور والأعطال المفاجئة.
ويؤكد الحبشي أن الإدارة المتوازنة للمنشآت المائية تُعدّ عاملاً حاسماً في ضمان استدامتها، من خلال التوفيق بين احتياجات الإنسان ومتطلبات البيئة، مع ضرورة حماية النظم البيئية المحيطة، عبر مراقبة جودة المياه ومعالجة مياه الصرف، وإنشاء مناطق عازلة تقلل من التلوث والضغط البيئي.
ويحذّر من أن سوء تشغيل المنشآت المائية أو إهمالها يترتب عليه آثار بيئية خطيرة، أبرزها تدهور نوعية المياه نتيجة تراكم الملوثات، واضطراب النظم البيئية المائية، وتغير الخصائص الهيدرولوجية، إضافة إلى مخاطر صحية تهدد الإنسان، وانعكاسات اجتماعية واقتصادية قد تصل إلى تهديد الأمن الغذائي وزيادة النزاعات على المياه، مشيراً إلى أن الحد من هذه الآثار السلبية يتطلب تعزيز الصيانة، وتطبيق أنظمة مراقبة فعّالة، وتشغيل مرن يراعي الاحتياجات البيئية، إلى جانب تفعيل القوانين الرادعة ورفع مستوى الوعي المجتمعي.
وفيما يتعلق بتحقيق الاستغلال الأمثل للمنشآت المائية، يوضح الدكتور الحبشي أن الحل يكمن في تبني نهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية، الذي يوازن بين تلبية متطلبات الشرب والري والطاقة والصناعة، مع الحفاظ على صحة النظم البيئية.
كما يشدد على أهمية تحسين كفاءة استخدام المياه، والاعتماد على التشغيل الذكي المدعوم بالبيانات والنماذج الرقمية، وتنويع مصادر المياه لتخفيف الضغط على المنشآت التقليدية.
ويبرز دور الدراسات والأبحاث العلمية بوصفها حجر الأساس في تطوير كفاءة تشغيل المنشآت المائية، إذ توفر قاعدة معرفية قائمة على الأدلة، وتساعد في التكيف مع التغير المناخي، والحد من الآثار البيئية، وابتكار تقنيات حديثة تعتمد على الاستشعار الذكي والذكاء الاصطناعي، بما يطيل العمر التشغيلي للمنشآت ويعظم فوائدها الاقتصادية والاجتماعية.
كما يوضح الحبشي أن مركز المياه والبيئة بجامعة صنعاء يضطلع بدور محوري في رفع وعي المجتمع والجهات المستفيدة، من خلال برامج توعوية وتدريبية، وبناء شراكات مع المزارعين والمؤسسات، وإنتاج مواد تثقيفية، وتنفيذ دراسات توثق واقع المياه وتحدياتها، بما يسهم في تحويل المجتمع من مستهلك سلبي إلى شريك فاعل في الحفاظ على الموارد المائية.
وحول الخطط المستقبلية، يشير إلى أن المركز يعمل على تطوير حلول ذكية لإدارة المنشآت المائية، وتعزيز الحماية البيئية، وتحديث التشريعات، ودعم الابتكار في مجالات تحلية المياه بالطاقة المتجددة، وإعادة استخدام المياه، وصولاً إلى بناء نموذج وطني متكامل يوازن بين الأمن المائي، وحماية البيئة، ومتطلبات التنمية.
ويشدد على أهمية الانتقال من الإدارة التقليدية إلى إدارة تكيفية متعددة الأهداف، تقوم على العلم، والمشاركة المجتمعية، والحوكمة الرشيدة، لضمان استدامة هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.
تحديات في التشغيل والصيانة
من جانبه يشير عميد مركز المياه والتغيرات المناخية بجامعة ذمار ومستشار الهيئة العامة للموارد والمنشآت المائية في محافظة ذمار والبيضاء الأستاذ الدكتور نبيل العريق إلى أن بلادنا تمتلك تاريخاً حضارياً عريقاً في الاستغلال الأمثل للمياه وبناء المنشآت المائية، إلا أن الوضع الحالي يتسم بضغوط متزايدة نتيجة النمو السكاني والتوسع الزراعي وتأثيرات التغير المناخي التي تظهر في تذبذب الأمطار وتكرار موجات الجفاف والفيضانات.
وعلى الرغم من وجود بعض السدود ومنشآت الحصاد المائي، إلا أن أعدادها لا تزال قليلة مقارنة بالإمكانيات المتاحة من أمطار وسيول ومواقع ملائمة للبناء، كما أن الاستفادة منها محدودة بسبب التحديات في التشغيل والصيانة والإدارة.
وفي محافظة ذمار بشكل خاص، يعتمد السكان والزراعة بشكل كبير على المياه الجوفية عبر الآبار، بينما يظل استثمار حصاد مياه الأمطار عبر السدود الصغيرة والحواجز المائية محدوداً، وتعاني كثير من هذه المنشآت من ضعف الصيانة وتراكم الطمي وغياب المتابعة الفنية، مما يقلل من كفاءتها.
ويشير الدكتور العريق إلى توجه الدولة نحو بناء وتأهيل المنشآت المائية، كما أن الواقع الحالي يتجه نحو الأفضل من خلال منع الحفر العشوائي للآبار وتنظيم عملية الحفر عبر التراخيص الصادرة عن الهيئة العامة للموارد المائية، بالإضافة إلى تنفيذ مشاريع لحصاد مياه الأمطار والسيول في بعض مديريات محافظة ذمار بهدف تنمية الموارد المائية وضمان استدامتها.
ولتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المائية في ظل التحديات الراهنة، يؤكد الدكتور العريق على ضرورة اعتماد نهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية، والذي يجمع بين ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة الاستخدام في القطاعات المختلفة. ويتضمن ذلك تطبيق تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط والرش، وتحديث الشبكات القديمة لتقليل الفاقد، وتعزيز حصاد مياه الأمطار وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتطبيق سياسات قانونية فعالة لتنظيم الاستخراج، مع تعزيز الوعي المجتمعي ومشاركة جميع أصحاب المصلحة في الإدارة المستدامة للمياه.
وفيما يتعلق بأدوار الهيئة العامة للموارد المائية، فإنها تعمل على تنظيم استخدام المياه وحمايتها من الاستنزاف عبر عدة محاور تشمل: منع الحفر العشوائي للآبار والرقابة على أي مخالفات، وتنظيم ترخيص حفر الآبار من خلال تطبيق المعايير والضوابط القانونية، وتطبيق مبدأ المشاركة في الآبار المستخدمة للزراعة، وتركيب عدادات لمراقبة ضخ المياه في الآبار التجارية، ومتابعة تسجيل حقوق الانتفاع بمياه الآبار لجميع المستخدمين.
وعلى صعيد متصل، تقوم الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض بدور مشهود في الميدان للحفاظ على المنشآت المائية وتنظيم الري وكتابة الوثائق المجتمعية بين المزارعين والمنتسبين.
ويؤكد رئيس جمعية العشة التعاونية متعددة الأغراض، يحيى منيف، أن الجمعية في مديرية العشة تعتمد بشكل كبير على المنشآت المائية، وعلى رأسها السدود والحواجز التي تم إنشاؤها لخدمة المجتمع، وحماية المياه من الهدر، وإعادة تغذية الآبار السطحية التي عانت لسنوات من الجفاف.
ويوضح أن الجمعية، وبالتعاون مع الأهالي والجهات المعنية، عملت على إنشاء وصيانة عدد من السدود في عزل المديرية، من بينها سدود في عزلة المعراضة ومناطق أخرى، حيث وصلت نسبة الإنجاز في بعضها إلى أكثر من 70%. وقد ساهمت هذه المنشآت في حجز مياه الأمطار، والحد من السيول الجارفة، وتحسين الوضع المائي بشكل ملحوظ.
ويضيف منيف، حرصنا منذ البداية على وضع ضوابط واضحة لاستخدام مياه السدود، وتم توقيع وثائق واتفاقيات بين المزارعين تنص على أن تُستخدم المياه فقط في زراعة الحبوب، مثل القمح، وعدم التوسع في زراعة المحاصيل الشرهة للمياه أو تحويل المساحات العامة إلى ملكيات خاصة.
ويشير رئيس الجمعية إلى أن هذه الإجراءات أسهمت في تحقيق قدر من العدالة بين المزارعين، ومنعت النزاعات على المياه، كما شجعت على العمل التعاوني وتحمل المسؤولية الجماعية في إدارة هذا المورد الحيوي.
ويؤكد منيف أن من أبرز فوائد هذه المنشآت المائية إعادة إحياء الآبار السطحية التي كانت قد جفّت أو أوشكت على النضوب، حيث عادت المياه إليها تدريجياً بعد تجميع مياه الأمطار خلف السدود والحواجز، ما خفف من معاناة الأهالي، وقلل الاعتماد على الحفر العشوائي للآبار العميقة.




