
مسؤولية الدولة والمجتمع
تُعد سهول تهامة الممتدة على طول الساحل الغربي لليمن، القلب النابض للزراعة في بلادنا، حيث ارتبطت حضارة هذه المنطقة منذ آلاف السنين بقدرة الإنسان على “ترويض” السيول المنحدرة من المرتفعات الجبلية.
ومع التغيرات المناخية المتسارعة وتهديدات شح الموارد المائية، باتت المنشآت المائية في تهامة – من سدود تحويلية وقنوات ري وحواجز – هي خط الدفاع الأخير لضمان الأمن الغذائي القومي.
و تضم تهامة شبكة معقدة من الأودية الكبرى مثل (وادي زبيد، وادي مور، وادي رماع، وادي سهام، ووادي سردد)، و هذه الأودية تعتمد على الأمطار المباشرة، كما أنها تعتمد على نظام “الري بالسيول” الذي تديره منشآت هندسية ضخمة صُممت لتوزيع المياه بعدالة وكفاءة، وهي تمثل شريان الحياة لعشرات الآلاف من الهكتارات.
وفي هذا الصدد، يؤكد مدير عام الهيئة العامة لتطوير تهامة المهندس فواز العذري أن الهيئة تضع ملف المنشآت المائية في صدارة أولوياتها، مشيراً إلى أن قنوات الري تعتبر مكوناً رئيسياً من مكونات منظومات الري ومصدراً أساسياً يعتمد عليه معظم مزارعي تهامة في ري محاصيلهم الزراعية.
ويوضح أن الهيئة العامة لتطوير تهامة تبذل جل اهتمامها لتنظيف القنوات من الأشجار والترسبات الطينية بشكل مستمر، والحفاظ عليها من أي مخالفات قد تحدث، مثل قيام بعض النافذين ببناء حواجز في بعض القنوات لغرض توجيه المياه إلى أراضيهم وحرمان بقية المزارعين منها، لافتا إلى أنه وبفضل الله، تم إزالة الكثير من تلك المخالفات، وأصبحت الأمور تسير الآن بشكل سلس.”
مشروع الري الطارئ
و يكشف العذري عن نجاحات مشاريع مختلفة في مجال تعزيز بنية المنشآت المائية، أبرزها مشروع الري الطارئ: “الذي تم بتنفيذه في العام 2022 بالشراكة مع اللجنة الزراعية والسمكية العليا ووزارة الزراعة وتمويل وحدة تمويل المبادرات والمشاريع الزراعية والسمكية بمحافظة الحديدة.
ويشير إلى أن الهدف من ذلك المشروع الاستراتيجي كان سقي 142 ألف هكتار من الأراضي الزراعية لاستصلاحها وزراعتها بمحاصيل الحبوب، وقد شمل المشروع إعادة صيانة العقوم الترابية والحواجز المائية في أودية (زبيد، مور، سهام، ورماع) لضمان وصول المياه إلى أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية الصالحة.
وعلاوة على ذلك، نُفذت ثلاثة مشاريع في وادي سهام، والبالغة تكلفتها 227 مليونا و582 ألف ريال، وتشمل: مشروع صيانة آلات الرفع في حاجز برقوقة التحويلي، ومشروع تثبيت الكتل الخرسانية وإزالة الترسبات بتكلفة 68 مليون ريال، ومشروع صيانة الحاجز التعويقي رقم “1” بهدف حماية الحاجز التحويلي لمنشأة برقوقة بوادي سهام من الانهيارات بتكلفة تقديرية 99 مليونا و582 ألف ريال.
وفيما يخص وادي زبيد يشير العذري أن تكلفة المشاريع بلغت 150 مليونا و480 ألف ريال، بتمويل من وحدة المشاريع والمبادرات الزراعية والسمكية في الحديدة وصندوق تشجيع الإنتاج الزراعي والسمكي.
وتشمل: [مشروع صيانة منظومة الرفع الهيدروليكية بتكلفة تقديرية 10 ملايين و500 ألف ريال، ومشروع صيانة قنوات فرعية بتكلفة تقديرية 67 مليونا و452 ألف ريال].
بينما في وادي مور، تم تثبيت الكتل الخرسانية وصيانة آلات الرفع وحماية القنوات وتأهيل طريق التفتيش بتكلفة إجمالية قاربت 70 مليون ريال، بالإضافة إلى مشروع صيانة المعدات وآلات الهيئة في وديان تهامة بتكلفة تقديرية 60 مليون ريال”.
ويبين العذري أن الأعمال الإنشائية للمشاريع شملت بناء جدران قاطعة، وجدران ساندة في الحواجز التحويلية، وعمل “جبيونات” وخرسانات مسلحة، وأعمال رص مكعبات خرسانية، وصخور متدرجة للحاجز التعويقي.
ويشير إلى أن الأعمال شملت كذلك بناء جدران قاطعة وساندة، وعمل “جبيونات” وخرسانات مسلحة، موضحا أن هذه المشاريع المستدامة وغيرها من الإصلاحات المستمرة في كافة الوديان تأتي تنفيذاً لتوجيهات القيادة الثورية للاستفادة المثلى من السيول ورفع كفاءة حصادها لري الأراضي الزراعية، واستثمارها، لإحداث تنمية زراعية مستدامة، مشيراً في الوقت ذاته إلى خطط قادمة لإنشاء سدود وخزانات جديدة لضمان الاستفادة القصوى.
الاستدامة الذكية
من جانبه، يرى مختص التنمية المائية بكلية الزراعة بجامعة صنعاء الدكتور أحمد الوادعي أن الاستغلال الأمثل للمنشآت المائية يتطلب دمج العلم بالخبرة الميدانية.
و يقول: “تهامة تمتلك مخزوناً جوفياً استراتيجياً، لكنه يتعرض للاستنزاف الجائر بسبب الحفر العشوائي للآبار، مشيرا إلى أن المنشآت المائية الحالية يجب أن تُستغل ليس فقط للري السطحي، بل كأدوات لتغذية الحوض الجوفي، و إن ما قامت به الهيئة العامة لتطوير تهامة ولا تزال تقوم به من صيانة مستمرة للقنوات يقلل من فَواقد المياه ويسمح بتدفق السيول إلى المناطق البعيدة، مما يرفع كفاءة الاستخدام المائي ويحمي التربة من الانجراف.”
المشاركة المجتمعية
وفي سياق متصل، يتحدث رئيس جمعية مستخدمي المياه بوادي زبيد الأستاذ عبدالله علي مهدي، عن الجانب العملي والمجتمعي في الحفاظ على هذه الموارد، رابطاً بين القواعد العرفية القديمة والاحتياجات الحالية: “الحفاظ على المنشآت يبدأ من احترام نظم الأجداد، مثل ‘وثيقة الجبرتي’ ونظام ‘الأعلى فالأعلى’، منوها إلى أن ‘وثيقة الجبرتي’ تنظم التوزيع بعدالة منذ 800 سنة، بينما يضمن نظام ‘الأعلى’ سقي الأراضي المرتفعة أولاً ثم المنخفضة.”
ويشدد مهدي على أهمية نظام “المِدَد” (القنوات التقليدية)، الذي يعتبر إرثاً ثقافياً وهندسياً، مشيراً إلى أن “الاستغلال الأمثل لهذه الموارد يتطلب دمج هذه الأعراف مع الصيانة الحديثة للهيئة، وأي عبث بهذه القنوات هو طمس لهويتنا وتهديد للمنشآت المائية.”
و في حقول الذرة والسمسم، التقينا ببعض المستفيدين من المشاريع والمبادرات المجتمعية في صيانة المنشآت المائية وتنظيف القنوات.
المزارع يحيى خادم (مديرية القناوص) يقول: “شعرنا بفرق كبير بعد تنظيف القنوات وإزالة العوائق، فالسيول كانت تضيع في مجارٍ مسدودة بالأشجار، لكن الآن المياه تصل إلى أراضينا التي كانت ‘صالبة’ لسنوات. نحن اليوم لا ننتظر المطر بقدر ما ننتظر وصول السيل عبر القنوات المنظمة التي أعادتها تلك المشاريع والمبادرات للخدمة.”
أما المزارع محمد فتيني من وادي مور فيقول: “العمل على متابعة الالتزام بتنفيذ أنظمة الري التقليدية والمتوارثة بشكل آمن أعاد لنا الأمل في زراعة الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية.
ويضيف: ” كنا نعاني من سيطرة البعض على المياه، لكن اليوم هناك عدالة أكثر بفضل تفعيل الرقابة وإزالة المخالفات، و نحن كمزارعين نتعهد بحماية هذه القنوات لأنها شريان بقائنا، ونأمل في التوسع ببناء الحواجز واستمرار المبادرات في تنظيف القنوات الرئيسية والفرعية لضمان استمرار الري طوال العام”.




