تقاريرصحافة

الريف اليمني.. من سلة غذاء مهملة إلى منجم ذهب مستثمر

استثمار سلاسل القيمة… الطريق المختصر نحو السيادة الغذائية والرفاه الريفي

ناصر الدباء

بينما يتجه العالم اليوم نحو رقمنة الاقتصاد وتطوير الصناعات الثقيلة، يظل الرهان الحقيقي لليمن قابعًا في تراب أرضه المعطاءة. إن الريف اليمني ليس مجرد جغرافيا للسكن أو مدرجات للزراعة المعيشية، بل هو مؤسسة اقتصادية عملاقة لم تُفتح أبوابها بالكامل بعد. فما نحتاجه اليوم ليس مجرد زيادة إنتاج، بل ثورة في عقلية الاستثمار الزراعي تنتقل بنا من الحقل إلى الأسواق العالمية عبر بوابة سلاسل القيمة.
لماذا سلاسل القيمة؟
الاستثمار في سلاسل القيمة يعني ببساطة عدم ترك أي جزء من المحصول للصدفة، فهذا هو الاستثمار الذي يضمن تحويل البذرة إلى منتج عالي الجودة، مغلف ومصنّع، ليصل إلى يد المستهلك في أبهى صورة، محققًا أعلى عائد مادي للمستثمر والمزارع معًا.
نداء المحركات الاقتصادية: أين تكمن الفرص؟
إننا ندعو رؤوس الأموال الوطنية والمستثمرين الجادين لتركيز بوصلتهم نحو مسارات استثمارية بكر تتجاوز الزراعة التقليدية، ومن ذلك الآتي:
الاستثمار في القيمة المضافة (التصنيع الزراعي):
إن بيع المحصول خامًا هو إهدار للثروة والفرصة. الآن تكمن في إنشاء وحدات تجفيف للفواكه والخضروات، أو معامل تقطير النباتات العطرية، ومصانع لتعليب البقوليات والتمور، فالقيمة المضافة هي التي تحوّل السلعة الرخيصة إلى منتج فاخر ينافس عالميًا.
اللوجستيات والحلول الذكية:
يعاني ريفنا من فجوة هائلة في التخزين والنقل، والاستثمار في سلاسل التبريد التي تعمل بالطاقة المتجددة، وإنشاء مراكز الفرز والتدريج الآلي، هو الضمان الوحيد لتقليل نسبة الهالك التي تلتهم سنويًا نسبة كبيرة من عرق جبين المزارعين.
توطين مدخلات الإنتاج:
لماذا نستورد ما يمكننا صنعه؟ الاستثمار في مشاتل الأمهات المعتمدة، وإنتاج الأسمدة الحيوية (المخصبات العضوية)، وتطوير تقنيات الري الحديثة محليًا، يمثل سوقًا مضمونة الأرباح وقليلة المخاطر.
الاقتصاد الدائري (تصفير الهالك):
في سلاسل القيمة لا وجود للنفايات، والاستثمار في تحويل المخلفات الزراعية والحيوانية إلى أعلاف حيوانية مركزة، أو طاقة بيوغاز، أو أسمدة عضوية، هو استثمار ذكي يغلق الدائرة الاقتصادية ويحقق استدامة بيئية ومالية مذهلة.
السيادة الغذائية.. قرار لا خيار
إن الاستثمار في سلاسل القيمة بالريف اليمني هو أقصر الطرق لكسر تبعية الاستيراد وتحقيق السيادة الغذائية. ونحن الآن أمام فرصة تاريخية لتحويل القرى إلى مراكز صناعية صغيرة تخلق آلاف فرص العمل للشباب، وتوقف نزيف الهجرة نحو المدن، وتجعل من الذهب الأخضر رافدًا أساسيًا للاقتصاد الوطني.
يا حماة الأرض، وصنّاع القرار، والمستثمرين، إن الريف اليمني يناديكم، ليس لطلب المعونة، بل لعرض الشراكة؛ فمن يزرع في أرض اليمن اليوم قيمة مضافة، سيحصد غدًا سيادة اقتصادية لا تزعزعها الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى