
يُعدّ النفوق المتأخر الجزء “الخفي” من الصيد الجائر الذي لا يظهر في الإحصاءات الرسمية؛ إذ يشير إلى نفوق الأسماك التي تنجو مؤقتًا من معدات الصيد، لكنها تموت لاحقًا متأثرة بالإصابات. ويُعرف هذا المفهوم علميًا باسم Post-Release Mortality أو النفوق اللاحق.
أولًا: أنواع الإصابات القاتلة الناتجة عن معدات الصيد
1 – شباك المدود الوترية (الشباك الخيشومية/المنصوبة)
طبيعة الضرر:
•جروح عميقة في الخياشيم تؤدي إلى نزيف داخلي واختناق لاحق.
•تمزقات في الزعانف والجسم تُسهّل حدوث التهابات بكتيرية وفطرية.
•فقدان القشور والطبقة المخاطية، مما يضعف المناعة الطبيعية للأسماك.
النتيجة:
تموت نسبة كبيرة من الأسماك التي تفلت من الشبك خلال ساعات أو أيام نتيجة النزيف أو الاختناق أو العدوى.
2 – الشباك القاعية (الجرف القاعي)
طبيعة الضرر:
•تهتك الأنسجة بسبب الاحتكاك بالقاع وبمكونات الشباك.
•ضغط شديد على الأعضاء الداخلية مثل الكبد والطحال والمثانة الهوائية.
•كسور محتملة في العمود الفقري أو الفك.
النتيجة:
قد تبدو الأسماك قادرة على السباحة بعد الإفلات، لكنها تموت لاحقًا نتيجة نزيف داخلي أو عجز عن التغذية.
3 – السهام والرماح التي تُخطئ الهدف
طبيعة الضرر:
•ثقوب عميقة في الجسم.
•إصابات غير قاتلة مباشرة في العضلات أو الزعانف.
•بقاء رأس السهم أو شوكة مغروسة داخل الجسم.
النتيجة:
تتعرض الأسماك لعدوى بكتيرية وتعفن في الجروح، ما يضعف قدرتها على السباحة والهروب من المفترسات، وينتهي الأمر بموت تدريجي.
4 – الخطاطيف والخيوط (حتى في الصيد التقليدي)
طبيعة الضرر:
•ابتلاع الخطاف يسبب تمزق المريء أو المعدة.
•التفاف الخيط حول الجسم أو الخياشيم يعيق التنفس.
النتيجة:
يموت كثير من هذه الأسماك بعد إطلاقها رغم نجاتها الظاهرية.
ثانيًا: الآثار البيئية والبيولوجية على المخزونات السمكية:
يُعدّ هذا النفوق غير مُسجَّل إحصائيًا، إذ لا يُحتسب ضمن كميات الإنزال، لكنه يُمثّل استنزافًا حقيقيًا للمخزون السمكي. وهذا يعني أن الأرقام الرسمية للصيد تكون أقل من الواقع الفعلي لاستهلاك المخزون.
كما أن الأفراد الكبيرة المُخصِبة (الأمهات) هي الأكثر تأثرًا، رغم أهميتها في التكاثر وإنتاج البيوض، وفقدانها يضعف القدرة الطبيعية للمخزون على التجدد.
ومن أبرز الآثار:
•حدوث خلل في التركيب العمري للمخزون السمكي.
•زيادة نفوق الأسماك المتوسطة والكبيرة وبقاء أسماك صغيرة غير ناضجة.
•ظهور مخزون يبدو “موجودًا” عدديًا، لكنه ضعيف إنتاجيًا.
•اضطراب السلسلة الغذائية نتيجة تغيّر توازن المفترسات والفرائس، ما يؤدي إلى زيادة أنواع على حساب أخرى واختلال النظام البيئي البحري.
الأثر الاقتصادي على الصياد:
يحدث هدر اقتصادي مباشر، إذ يظن الصياد أنه لم يصطاد شيئًا، بينما يكون قد فقد سمكة كان يمكن بيعها لاحقًا، كما يخسر جزءًا من رصيد المخزون المستقبلي، ما يؤدي إلى انخفاض الدخل على المدى المتوسط والطويل.
نسب النفوق المتأخر:
تشير دراسات دولية إلى أن:
•النفوق بعد الإفلات من الشباك يتراوح بين 20–60 % حسب النوع وشدة الإصابة.
•بعد الجرف القاعي قد يتجاوز 50% لبعض الأنواع القاعية.
•بعد الإصابة بالسهام أو الخطاطيف العميقة قد يصل إلى 30–70 %.
•وفي البيئات الحارة، مثل البحر الأحمر وخليج عدن، تتسارع العدوى، ما يرفع نسب النفوق غالبًا.
خلاصة
الإصابات التي لا تكون قاتلة فورًا تتحول إلى “موت صامت” للأسماك بعد الإفلات، ما يفاقم استنزاف المخزونات السمكية دون أن يظهر في الإحصاءات الرسمية، ويسرّع تدهور بعض الأنواع محليًا، ويضر بالصياد قبل غيره على المدى المتوسط.




