إرشاداتصحافة

الثروة البحرية .. من الإهمال المزمن إلى ( التغير والبناء ) كنز ينتظر الإستكشاف

د/ سامي عبد الجبار الجنيد

لطالما تغنت اليمن بشريطها الساحلي الممتد على بحريها الأحمر والعربي، كنزاً بحرياً يضج بالحياة. لكن المفارقة أن هذه الثروات الهائلة، التي تضم الأنواع ذات القيمة الغذائية والاقتصادية العالية مثل أسماك التونة والماكريل،مروراً بالرخويات كالحبار والأخطبوط، وصولاً إلى الأعشاب والطحالب البحرية ذات القيمة الاقتصادية العالية، لا تزال غائبة عن ذهن الحكومات المتعاقبة، وصولاً إلى حكومة “التغيير والبناء” والمجتمع على حد سواء.
الثروة السمكية ضحية الإهمال
إن غياب الدور الفاعل لقطاع الثروة السمكية ليس مجرد إهمال، بل هو جريمة اقتصادية تدفع ثمنها البلاد والمواطن في صمت، بينما تُصدّر “ذهبها الأزرق” خاماً لتستفيد منه دول أخرى، وتبيعه بأضعاف مضاعفة.
تاريخ الثروة السمكية في اليمن هو تاريخ إهمال متعمد أو قلة وعي متواصلة. عقود طويلة مضت لم تشهد خلالها أي حكومة رؤية استراتيجية حقيقية لاستغلال هذا القطاع. فبينما بلغ إسهام قطاع النفط والغاز في الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام السابقة حوالي 85% من الصادرات، لم يتجاوز إسهام قطاع الثروة السمكية ما نسبته 3% حتى عام 2024، وهو ما يعكس الفجوة الشاسعة في الاهتمام (UNDP, 2024)، وتُركت مياه اليمن تزخر بالثروات دون استثمار حقيقي.
الصياد اليمني، هذا الجندي المجهول، يواجه تحديات لا حصر لها، والتي يمكن أن نلخصها في عدة نقاط: غياب الدعم، انعدام البنية التحتية، ونقص التمويل. في المقابل، نجد أن الأحياء البحرية اليمنية، بما في ذلك التونة والماكريل والرخويات وغيرها من الكائنات البحرية، لا تجد طريقها إلى أسواق داخلية منظمة أو صناعات تحويلية كقيمة مضافة تحسن من جودتها وتزيد نسبة استهلاكها وتداولها.
مع قدوم حكومة “التغيير والبناء”، كان الأمل أن تتبدل هذه المعادلة. لكن السؤال يبقى: هل ستخرج هذه الحكومة من النمط التقليدي الذي حكم أداء سابقاتها؟ وهل ستدرك أن الاقتصاد المقاوم لا يُبنى على الشعارات، بل على الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، وفي مقدمتها الثروة السمكية الشاملة؟
الذهب الأزرق أغلى من النفط
هنا تكمن الصدمة الحقيقية: بينما يعاني الاقتصاد اليمني من شح العملة الصعبة، بسبب وقوع الثروة النفطية تحت سيطرة حكومة الارتزاق والعمالة والحصار المفروض على وطننا الحبيب والحرب المستمرة، تُباع منتجات الثروة السمكية اليمنية المصنعة في الأسواق الأوروبية ودول الجوار بأسعار خيالية، تفوق في قيمتها النسبية برميل النفط، بل قد تتجاوزها أحياناً قيمة الغاز الطبيعي!
وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء للعام 2017، بلغ متوسط سعر تصدير الكيلوغرام الواحد من الأسماك الخام مثل التونة الخام من اليمن حوالي 1.10 دولار أمريكي، في المقابل تُباع علبة تونة فاخرة واحدة بوزن (150-200 جرام) في الأسواق الأوروبية، والمصنعة غالباً من ذات الأسماك اليمنية، بسعر يتراوح بين 5.50 – 6.10 دولار أمريكي.
هذا يعني أن القيمة المضافة لكيلوغرام واحد من التونة قد ترتفع من 1.10 دولار إلى ما يقارب 20.43 – 40.75 دولار بعد التصنيع أو ما يعادلها في العملات الخليجية! وللمقارنة، بينما بلغ سعر برميل النفط الخام 79.55 دولاراً أمريكياً في نفس الفترة، فإن قيمة المنتجات السمكية المصنعة من كمية تعادل برميل نفط واحد من حيث القيمة الاستثمارية أو العائد الاقتصادي إذا استُثمرت محلياً يمكن أن تتجاوز ذلك بكثير (Macrotrends, 2024).
الطحالب والأعشاب البحرية كنوز مهدرة
الأمر لا يقتصر على الأسماك فحسب. فالأعشاب والطحالب البحرية والرخويات بأنواعها، التي تُعد مصادر غنية للبروتين والمواد الدوائية والصناعية، تُصدّر بسعر رمزي لا يتجاوز 10 دولار أمريكي للكيلوغرام، بينما تُستخدم في صناعة مستحضرات تجميل وأدوية تُباع بأسعار تصل إلى 49 – 150 دولاراً للمنتج النهائي للوحدة في الأسواق العالمية (Repêchage, 2024).
السؤال هنا: هل يعقل أن تُباع ثرواتنا البحرية بأقل من قيمتها الحقيقية، بينما تُستورد سلع أقل قيمة بأسعار باهظة؟
وهل يدرك صانع القرار أن القيمة المضافة لصناعة التونة المعلبة، أو منتجات الماكريل المجمدة، أو مستحضرات الأعشاب البحرية، يمكن أن تدر أرباحاً تفوق مبيعات النفط الخام والغاز الطبيعي؟
هذه المقارنة الصادمة تكشف حجم الهدر الاقتصادي الذي تمارسه الحكومات المتعاقبة والمجتمع. فاليمن لا تخسر فقط عملة صعبة يمكن أن تدرها صادرات المنتجات البحرية المصنعة، بل تخسر فرص عمل للشباب، وتخسر عوائد القيمة المضافة من خلال التحضير والتعليب والتجفيف وغيرها من المعالجات التي تدخل على المأكولات البحرية ويمكن أن تقيمها على أرضها، وتخسر قدرة على بناء اقتصاد مقاوم يُقلل من التبعية للخارج.
غياب الدور الفاعل لقطاع الثروة السمكية من المساهمة في الاقتصاد القومي فبدلاً من أن تكون الأسماك والرخويات والأعشاب البحرية مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، تُباع بخسارة فادحة، مما يُفاقم عجز الميزان التجاري، ففي عام 2020، بلغ عجز الميزان التجاري اليمني حوالي 7.8 مليار دولار أمريكي (Trading Economics, 2025)،وكان غياب مساهمة حقيقية من المنتجات السمكية المصنعة أحد العوامل الرئيسية في تفاقم هذا العجز.
ويقدر عدد الصيادين في اليمن بـ 83,400 صياد يعملون في هذا القطاع حتى عام 2019، بحسب البيانات الواردة في (IMPACT Consulting, 2020). غالبيتهم يعيشون تحت خط الفقر، حيث لا يتجاوز متوسط دخلهم السنوي 1.3 مليون ريال يمني أو يهاجرون بحثاً عن لقمة العيش، بينما يمكن لهذا القطاع أن يوفر لهم حياة كريمة.
رغم أن اليمن بلد بحري بامتياز، إلا أن الأسماك لا تشكل جزءاً أساسياً من النظام الغذائي للمواطن، بسبب ضعف الإنتاج المحلي المنظم وارتفاع الأسعار. لا يمكن الحديث عن اقتصاد مقاوم في ظل إهمال مورد حيوي مثل الثروة السمكية، التي يمكن أن تضمن الأمن الغذائي وتنوع مصادر الدخل.
استراتيجية وطنية للنهوض بالقطاع السمكي
إن إحياء قطاع الثروة السمكية في اليمن يتطلب ثورة حقيقية في الفكر والتخطيط. فعلى حكومة “التغيير والبناء” أن تضع استراتيجية وطنية شاملة للثروة السمكية، تُركز على الاستثمار في المجال البحثي وتوفير البنى التحتية والتجهيزات العلمية اللازمة، فالحصول على المعلومات العلمية الصحيحة عن الأحياء البحرية وبيئتها يعني امتلاك القرار.
وكذلك إنشاء موانئ جديدة بمعايير عالمية وتطوير موانئ ومراكز الإنزال الحالية وتحديث مرافقها الخدمية بما يواكب التقدم العالمي في هذا المجال للحفاظ على الثروة السمكية والموارد المائية، ففي حين تمتلك اليمن شريطًا ساحلياً يمتد لأكثر من 2,500 كيلومترًا، فإن عدد موانئ الصيد الفعالة والمجهزة عدداً قليلاً فقط، بقدرة استيعابية لا تتجاوز 5,550 طناً من إجمالي الثروة المتاحة.

الصيد المستدام والتشريعات الحديثة .. بوابة المستقبل
وتوفير الدعم اللازم لتحديث أسطول الصيد التقليدي ليتمكن الصيادون من الصيد في أعالي البحار، والعمل على توعية الصيادين وتدريبهم على أساليب الصيد المستدام، وتفعيل دور الرقابة البحرية والبحثية وتحديث التشريعات السمكية للحفاظ على المخزون، وإنشاء مصانع لتعليب وتجهيز الأسماك والرخويات، واستخلاص المستحضرات من الأعشاب والطحالب البحرية، لزيادة القيمة المضافة قبل التصدير.
ويتمثل الاستثمار في البنية التحتية من خلال تطوير الموانئ، وإنشاء مخازن التبريد، وشبكات النقل المتخصصة، وإبراز جودة الموارد البحرية اليمنية في الأسواق المحلية والعالمية، وتوعية المجتمع بأهمية هذه الثروة، وتشجيع استهلاكها، والمحافظة عليها من الاستنزاف.
إن الأحياء البحرية اليمنية، بما في ذلك التونة (التونة صفراء الزعانف، والتونة زرقاء الزعانف، والتونة الصغيرة) من الأنواع الوفيرة في المياه اليمنية، ويُقدر حجم صيدها السنوي بـ 40,000 طناً خلال العام 2005 بحسب البيانات الواردة، وهو رقم يمكن مضاعفته عدة مرات بالاستثمار في أساليب الصيد الحديثة والمستدامة.
فهناك أنواع مختلفة من التونة، ولكل منها خصائص فريدة. التونة زرقاء الزعانف هي الأكبر، تليها التونة صفراء الزعانف، ثم التونة ذات الحجم الصغير وهي أصغر حجماً وأكثر وفرة، والماكريل، والرخويات، والأعشاب والطحالب، ليست مجرد كائنات بحرية؛ إنها فرص اقتصادية ذهبية، وهي ركيزة أساسية لاقتصاد مقاوم ومنيع.
فهل تُدرك الحكومات والمجتمع أن هذا الكنز الأزرق يمكن أن يضخ شرايين الحياة في جسد الاقتصاد اليمني، وأن قيمته الحقيقية قد تفوق أحياناً قيمة برميل النفط الذي لطالما سيطر على اهتمامنا؟ حان الوقت لتغيير هذه المعادلة، قبل أن تُسرق أحلامنا في وضح النهار، وتُباع ثرواتنا بأبخس الأثمان.
المراجع
UNDP. (2024). Sustaining Yemen’s fisheries: A collaborative effort. https://undp.org/yemen
الجهاز المركزي للإحصاء. (2017). تقرير الإحصاء السمكي السنوي.
Macrotrends. (2024). Brent Crude Oil Historical Prices. https://macrotrends.net
Gastronomic Spain. (2024). Canned Tuna Prices. https://gastronomicspain.com
Repêchage. (2024). Professional Skin Care Products. https://repechage.com
Trading Economics. (2025). Yemen – Trade Balance Data. https://tradingeconomics.com
IMPACT Consulting. (2020). Fishery in Yemen Value Chain Study.
FAO. (2006). Trip to Yemen: Marine Fisheries Survey.
الهيئة العامة لأبحاث علوم البحــار والأحيــاء المائيــة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى