
تحذيرات متصاعدة من بذور البطاطس المستوردة
في ظل التحديات الاقتصادية والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، يتجه الاهتمام بشكل متزايد نحو تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، وعلى رأسه إنتاج بذور البطاطس، بوصفه خطوة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج.
اليمن الزراعية| محمد حاتم
وفي هذا السياق، يشير الدكتور منصور حسن الضبيبي، الأكاديمي بكلية الزراعة والأغذية والبيئة بجامعة صنعاء، إلى أن القطاع الزراعي يبرز في هذه المرحلة بوصفه الحصن الأخير للأمن القومي، مؤكداً أن ما حققته الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس يمثل نموذجاً عملياً لكسر التبعية والانتقال من الاستيراد إلى الإنتاج المحلي للرتب العليا بكفاءة عالية.
ويؤكد الضبيبي أن البذرة تمثل وحدة بناء السيادة الوطنية، موضحاً أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من البذور والتقاوي لا يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل ضمانة استراتيجية لتحرير القرار الزراعي من الابتزاز الخارجي، والحفاظ على العملة الصعبة، وإنتاج سلالات أكثر ملاءمة للبيئة اليمنية بما يسهم في رفع الإنتاجية وتقليل الفاقد.
ويضيف أن النجاح المتحقق خلال السنوات الثلاث الماضية جاء نتيجة شراكة استراتيجية فاعلة بين الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس ومختبرات زراعة الأنسجة ومكاثري القطاع الخاص، مبيناً أن التركيز على إنتاج الرتب العليا أسهم في ضمان استمرارية الجودة عبر عدة أجيال زراعية، كما أن بناء جسور الثقة مع القطاع الخاص أوجد شبكة إنتاج وطنية متكاملة.
ويشير الضبيبي إلى أن هذا الإنجاز يعكس قدرة الكفاءات الوطنية على الإبداع حتى في أصعب الظروف، خصوصاً مع تكامل الخبرات الفنية والإدارة الكفؤة ودعم جهات القرار، لافتاً إلى إمكانية البناء على هذه التجربة للتوسع في محاصيل أخرى.
و يحذر من مخاطر البذور والتقاوي المهربة، واصفاً إياها بـ”الخطر الصامت” الذي يهدد الأرض والإنسان، مؤكداً أن دخولها بطرق غير شرعية قد يؤدي إلى إدخال أمراض وآفات عابرة للحدود، بما في ذلك فيروسات وبكتيريا حجرية قد تلوث التربة لسنوات طويلة وتؤثر سلباً على المحاصيل الاستراتيجية.
ويضيف أن البذور المهربة تسهم في تدهور السلالات المحلية نتيجة اختلاطها ببذور منخفضة الجودة، الأمر الذي ينعكس على سمعة المنتج اليمني ويوقع المزارعين في خسائر مالية متكررة.
تحذيرات ميدانية من يريم
من جانبه، يشير المزارع محمد مطيع المجاهد من مديرية يريم إلى أن السوق المحلي يمر بمرحلة حساسة نتيجة تكدس كميات كبيرة من بذور البطاطس في المخازن، مؤكداً أن استمرار دخول البذور المستوردة قد يؤدي إلى انهيار السوق وإلحاق أضرار مباشرة بالمزارعين.
ويؤكد المجاهد، الذي يعمل في زراعة بطاطس المائدة وبطاطس البذور منذ أكثر من 15 عاماً، أن المخازن تحتوي حالياً على كميات كبيرة من الإنتاج المحلي، موضحاً أن لديه وحده أكثر من 400 طن جاهزة للتسويق في ظل ضعف حركة السوق.
ويضيف أن دخول البذور المستوردة في هذا التوقيت سيقضي على فرص تسويق المنتج المحلي، مشيراً إلى أن الضرر سيمتد إلى مزارعي بطاطس المائدة أيضاً، ما يعني اتساع دائرة الخسائر في القطاع.
ويوضح المجاهد أن التجارب السابقة مع البذور الخارجية لم تكن بالمستوى المطلوب، لافتاً إلى أن الرتب المنتجة محلياً عبر الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس أثبتت كفاءة إنتاجية أعلى ومقاومة أفضل للأمراض مقارنة بالبذور المستوردة.
كما يؤكد أن من أبرز المخاطر المرتبطة بالبذور المستوردة احتمال نقل أمراض وآفات زراعية، مشيراً إلى أن مناطق في يريم شهدت انتشار أمراض مثل العفن والتقزم وآفة النيماتودا، ما تسبب في تضرر مساحات واسعة وخسائر كبيرة.
خبرة مزارعي عمران
بدوره، يشير المزارع عبدالحميد الضبري من منطقة قاع البون بمحافظة عمران إلى أن مخاطر البذور المستوردة ترتبط بدرجة كبيرة بمصادر التوريد ودرجة الالتزام بمعايير الجودة، موضحاً أن الحصول على بذور عالية الجودة من الشركات المعروفة يتطلب الحجز المبكر والدفع في الوقت المحدد.
ويؤكد الضبري أن التأخر في الحجز لا يتيح للمزارع سوى الحصول على الكميات المتبقية الأقل جودة، موضحاً أن بعض الشركات غير المعروفة تقوم بتصدير بطاط مائدة على أنها بذور رغم عدم مطابقتها للمواصفات الصحية.
ويضيف أنه أجرى في العام 2022م تجربة مقارنة بين بذور الرتب والبذور المستوردة في مساحة متجاورة بلغت هكتارين لكل صنف مع توحيد العمليات الزراعية، موضحاً أن الإنتاج بلغ 87 طناً لبذور الرتب مقابل 83 طناً للبذور المستوردة، وهو ما يعكس الفارق في الأداء الإنتاجي.
ويشير إلى أنه يتجه حالياً للتعاقد على البذور المحسنة وزراعتها ضمن دورة زراعية تشمل القمح أو الشعير أو الذرة أو البقوليات لتهيئة التربة، مؤكداً أن محصول البطاط يعد من أهم المحاصيل النقدية والغذائية في اليمن.
ويحذر الضبري من انتشار الأمراض الفيروسية والبكتيرية مثل النيماتودا والإريوينيا والريزكتونيا والعفن البني والحلقي، مشيراً إلى أن كثيراً منها ينتقل عبر البذور القادمة من الخارج.
دعوات للحماية والتنظيم
وتتفق مجمل الآراء على ضرورة التحرك للحفاظ على المكتسبات المتحققة في قطاع بذور البطاطس، عبر تشديد الرقابة على التقاوي، ومنع التهريب، وتوجيه الاستثمارات نحو سلسلة القيمة للمحصول، بدءاً من التبريد والتخزين وصولاً إلى التصنيع والتصدير.
كما تتزايد الدعوات إلى تكثيف التوعية الأكاديمية والميدانية لرفع وعي المزارعين بالفروق بين البذور المعتمدة والمهربة، بما يعزز الثقة بالمنتج المحلي ويدعم استقرار السوق الزراعي، في خطوة ينظر إليها خبراء ومزارعون باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز السيادة الزراعية في اليمن.





