
في مشهد يلخّص معنى “الاقتصاد المجتمعي” حين يتحول إلى فعلٍ منظم لا شعار، سجّلت الحركة التعاونية محطة نجاح جديدة عبر نموذج التسويق المجتمعي الذي ربط بين الجمعيات التعاونية في محافظة صعدة وبين جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية بمحافظة الحديدة، من خلال افتتاح وكالة جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية النموذجية بمحافظة صعدة، لتأمين المنتجات السمكية وتوسيع منافذ توزيعها داخل مديريات المحافظة.
هذا الإنجاز لم يأتِ من فراغ؛ بل هو نتاج تدرّج عملي في بناء الثقة وتبادل الأدوار بين جمعية منتجة تمتلك ميزة التوريد (الساحل والسمك)، وجمعيات في محافظات الاستهلاك تمتلك القدرة على التنظيم والتوزيع والوصول إلى المستهلك النهائي، برعاية الاتحاد التعاوني الزراعي السمكي، الذي يعود في الأصل إلى البرنامج التدريبي الذي أطلقه الاتحاد، وتضمّن تنفيذ زيارات ميدانية للجمعيات التعاونية إلى نماذج ناجحة في الساحل التهامي، للتعرّف عن كثب على المشاريع الرائدة وآليات التسويق المبتكرة وتجارب التنظيم المحلي الفعّال. وكان أثره العملي الإعلان عن افتتاح وكالة جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية النموذجية بمحافظة صعدة.
افتتاح رسمي… ودلالة اقتصادية تتجاوز الحدث
افتتح وكيل محافظة صعدة محمد البعداني، ومعه مدير مكتب الاقتصاد والصناعة والاستثمار خالد الذيبان، ومدير مكتب الزراعة والموارد المائية المهندس زكريا المتوكل، ومدير المسالخ الدكتور سلطان الصبري، ورئيس فرع الاتحاد التعاوني الزراعي بالمحافظة خليل المراني، وكالة جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية النموذجية بالمحافظة، في فعالية عكست اهتمام الجهات الرسمية والقطاع التعاوني بتطوير سلاسل الإمداد الغذائي وتعزيز السوق المحلية.
وتزامن الافتتاح مع تدشين مطعم الوكالة للأكلات البحرية والشعبية؛ في خطوة أُضيفت كحلقة مكملة لسلسلة القيمة، لا تكتفي بتوفير المنتج خاماً، بل تخلق قناة استهلاك مباشرة تُسهم في رفع الطلب وتوسيع نطاق التسويق.
تسويق منظم بدل “سوق عشوائي”
ستجري عملية التوزيع عبر مسارات متعددة، أبرزها مركز المحافظة كنقطة إمداد رئيسية، والجمعيات التعاونية في المديريات كمراكز توزيع مجتمعية قريبة من المواطنين، إلى جانب فتح قنوات بيع منظمة للبائعين وأصحاب المحلات بالجملة والتجزئة، مع تقديم امتيازات تنافسية في السعر والجودة والالتزام في التوريد. وبهذه الصيغة، لا يعود المنتج رهينة مزاج الوسطاء أو تقلبات السوق اليومية، بل يصبح جزءاً من شبكة توزيع تعاونية تُدار بمنطق الخدمة العامة والعدالة السعرية.
منافع مباشرة… وأثر أعمق
قدّمت هذه الوكالة النموذجية مكاسب واضحة للمواطن والسوق في صعدة، من خلال إتاحة الأسماك بجودة أعلى عبر مسار توريد أوضح وأقل حلقات، وأسعار أكثر انضباطاً نتيجة تقليل تكاليف الوساطة، وتعزيز الأمن الغذائي عبر توفير بروتين بحري بشكل منتظم، بالإضافة إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في النقل والبيع والخدمات المصاحبة، ومنها قطاع المطاعم. كما أن الأثر الأعمق يتمثل في ترسيخ قاعدة أن الجمعيات التعاونية ليست مجرد كيانات إدارية، بل أدوات اقتصادية قادرة على بناء أسواق بديلة بأدوات المجتمع نفسه.
حضور تعاوني… وتفاعل شعبي
شهدت الفعالية حضوراً من مسؤولي جمعية ساحل تهامة التعاونية السمكية بمحافظة الحديدة، يتقدمهم المدير التنفيذي للجمعية، إلى جانب ممثلي عدد من الجمعيات التعاونية في محافظة صعدة. وقوبلت الخطوة بارتياح المجتمع الذي يرى فيها مبادرة تمس احتياجاً يومياً، وتفتح باباً عملياً لربط صعدة بمصادر إنتاج محلية يمنية بدلاً من الاعتماد على قنوات غير مستقرة أو مرتفعة الكلفة.
نموذج قابل للتكرار
تقدّم هذه التجربة نموذجاً قابلاً للتوسع، ليس فقط في الأسماك، بل في منتجات أخرى يمكن نقلها من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك عبر “توأمة تعاونية” بين الجمعيات: جمعية تنتج… وأخرى تسوّق… ومجتمع يستفيد. وقد تحقق ذلك بالفعل من خلال الإعلان عن تسويق أكثر من 16 طناً من المنتجات المحلية، إلى جانب 18 ألف لتر من الألبان، توزعت بين العسل، والتمور، والأرز، والطماطم، والألبان، والثوم، والأسماك، والدواجن، والحطب، في خطوة وصفها الأمين العام للاتحاد التعاوني الزراعي المهندس محمد القحوم بأنها الأولى من نوعها على صعيد التسويق المجتمعي.
وبافتتاح وكالة جمعية ساحل تهامة في صعدة، تكون التجربة قد انتقلت من فكرة التنسيق إلى واقع ملموس، لتؤكد أن التسويق المجتمعي ليس مساراً دعائياً، بل منظومة اقتصادية قابلة للبناء والتشغيل والتوسع متى ما توافرت الإرادة والتنظيم والشراكة.
هذا الإنجاز يأتي في إطار الرؤية الاستراتيجية للاتحاد التعاوني الزراعي، التي تستهدف بناء شبكة متكاملة من الجمعيات بين الريف والمدينة، تعمل بشكل منسق على دعم الإنتاج وتوفير منافذ تسويق عادلة وفعّالة للمنتجات، في مسار يرسّخ الاقتصاد المجتمعي المقاوم ويؤسس لمرحلة جديدة من التكامل بين العمل التعاوني والتنمية المستدامة.




